عاجل

محمود بسيوني: جيل «زد» ومعركة الوعي في معرض القاهرة الدولي للكتاب

الصحفي محمود بسيوني
الصحفي محمود بسيوني

قال الكاتب الصحفي محمود بسيوني، رئيس تحرير أخبار اليوم، إنه خلال زيارته لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، لفت نظره الحضور الكثيف للشباب من مختلف الأعمار، وبصورة خاصة أبناء جيل «زد»، ذلك الجيل الذي بات يحتل مساحة واسعة من اهتمام مراكز الأبحاث ودوائر التفكير الاستراتيجي، بوصفه الجيل الشاب «غير المكتشف» بعد، والأكثر تأثيرًا في معادلات المستقبل.

وأضاف في مقالة بجريدة أخبار اليوم أن هذا الجيل تراهن عليه الدولة باعتباره دمًا جديدًا يُضخ في شرايين مؤسساتها، وطاقة قادرة على التجديد والبناء إذا أُحسن توجيهها واحتواؤها، مشيرًا في الوقت نفسه إلى أن أطرافًا أخرى تسعى لاختطاف هذا الجيل، وزجه في مسارات التشدد والتطرف، ودفعه إلى صدام مفتعل مع الدولة والمجتمع، ليُحوَّل من فرصة تاريخية إلى عبء مُدمِّر يقطع الصلة بالمستقبل ويستنزف الحاضر بدلًا من أن يصنعه.

وأوضح بسيوني أن المقصود بجيل «زد» هم الشباب المولودون تقريبًا بين عامي 1997 و2012، وهو جيل وُلد ونشأ داخل عالم رقمي مكتمل الأركان، حيث الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي والهواتف الذكية ليست مجرد أدوات، بل مكوّنًا أصيلًا في تشكيل وعيه ورؤيته للعالم.

وتابع أن مشاركة هذا الجيل في السنوات الماضية، وخصوصًا هذا العام، كانت مدهشة للبعض؛ إذ بدا حاضرًا بكثافة في مختلف أجنحة المعرض، بصفته البائع والمشتري، الشاعر والناقد، المهتم والمتابع، الروائي والكاتب في آنٍ واحد.

وأشار رئيس تحرير أخبار اليوم إلى صدور عناوين كثيرة هذا العام تحاول الاقتراب من نمط تفكير هؤلاء الشباب ودوائر اهتمامهم، غير أن قراءتها تظل في حاجة ماسّة إلى إحصاءات دقيقة ومؤشرات واضحة، متمنيًا أن تكون مرصودة ومتاحة من إدارة المعرض للباحثين والمهتمين؛ لأنها كفيلة بتقديم إجابات عن كثير من الأسئلة المؤجلة، وتساعد على بناء سياسات ثقافية أكثر وعيًا بخصائص هذا الجيل وتحدياته.

ولفت إلى أن اللافت حقًا هو انجذاب هذا الجيل إلى فكرة الكتاب الورقي التقليدي، بالتوازي مع انتشار مقاطع «الريلز» على مواقع التواصل الاجتماعي، التي تستهدف هذه الشريحة تسويقيًا، وتعرض تجارب إنشاء مكتبات منزلية، وتقدّم قوائم بالكتب التي يُفترض أن تضمها مكتبة متكاملة في مختلف مجالات الثقافة.

وأوضح أن هذه فكرة تسويقية ذكية، تلامس قضية الوعي، وتعيد للكتاب الورقي قدرًا من بريقه، حتى لو كان الدافع في البداية هو التجربة أو الفضول، إذ قد تقود في النهاية هذا الجيل السريع الإيقاع إلى شيءٍ من التمهّل والهدوء.

وأكد بسيوني أن اجتذاب معرض الكتاب، الذي فتح أبوابه للمرة الأولى عام 1969، لهؤلاء الشباب يُعد إضافة نوعية لدوره الثقافي، واستكمالًا لتاريخه الحافل بتحولات الدولة والمجتمع، مشددًا على أن المعرض ظل، على مدى أكثر من نصف قرن، بمثابة دفتر أحوال للثقافة المصرية، تُقرأ من خلاله ملامح الزمن بين صعود الأفكار وانكسارها، وبين ازدهار الوعي ومحاولات مصادرته.

وأضاف أن المعرض شاهد على معارك العقل الكبرى، وعلى قدرة الثقافة المصرية على البقاء في قلب المشهد العربي رغم العواصف، بوصفه أكبر تظاهرة ثقافية في العالم العربي، وموسمًا تنتظره العواصم قبل القرّاء، ودليلًا حيًا على أن القاهرة ليست فقط مدينة السياسة، بل عاصمة الفكر والكتاب.

وتابع أنه مع انتقال المعرض إلى مركز مصر للمعارض الدولية، دخل مرحلة جديدة من التنظيم المؤسسي، والانفتاح على أجيال مختلفة، والتعامل مع الكتاب باعتباره منتجًا ثقافيًا واستراتيجيًا، لا مجرد سلعة ورقية.

وأوضح أنه من خلال متابعته لاهتمامات جيل «زد» في الكتاب المطبوع، وجد ميلًا واضحًا نحو الروايات، وأدب الرعب والفانتازيا، وكتب التنمية الذاتية، والسير الذاتية المعاصرة، معتبرًا أن هذه المؤشرات ترسم ملامح اهتمامات هذا الجيل التي تبدو بسيطة وإنسانية، لا تميل إلى التعقيد أو التنظير العميق، بل تبحث عن المختلف والجاذب.

وأشار إلى أن توجه هؤلاء الشباب إلى القراءة يمثل فرصة حقيقية لبناء أمن معرفي متكامل، يبتعد عن أدوات السوشيال ميديا المشكوك في محتواها، ويتجه إلى تشكيل عقل نقدي قائم على قراءة متأنية ومعرفة متراكمة.

وأكد أن هذا التوجه يفسر اتجاه كثير من الدول إلى تقييد استخدام الأطفال لوسائل التواصل الاجتماعي، باعتبار ذلك قضية أمن معرفي وصحة نفسية وبناء إنساني طويل المدى، لافتًا إلى أن الرئيس عبد الفتاح السيسي دعا إلى هذا التوجه في خطابه بمناسبة عيد الشرطة، وبدأ مجلس النواب بالفعل مناقشته.

وتابع أن هذا السياق يضع مصر في مسار مشابه لدول مثل أستراليا، التي اتخذت قرارًا بحظر وصول من هم دون السادسة عشرة إلى منصات التواصل الاجتماعي، مع تحميل الشركات الرقمية مسؤولية قانونية مباشرة عن أي إخفاق في حماية القُصّر، وكذلك فرنسا التي أقرّت تشريعًا يمنع استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون الخامسة عشرة، ويقيّد استخدام الهواتف داخل المدارس.

وأشار إلى أن هذه القرارات لم تأتِ من فراغ؛ فوفق بيانات مركز «بيو» للأبحاث، يمتلك نحو 95% من المراهقين هواتف ذكية، بينما يقرّ ما يقارب 46% منهم بأنهم متصلون بالإنترنت بشكل شبه دائم، وهي أرقام تكشف حجم التعريض المستمر الذي بات يهدد القدرة على التركيز وبناء التفكير المتماسك.

وأضاف أن منظمة «يونيسف» ربطت في تقريرها «الطفولة في عالم رقمي» بين الإفراط في الاستخدام الرقمي وتراجع مؤشرات الصحة النفسية والرفاه العاطفي لدى الأطفال، فيما توصي منظمة الصحة العالمية بتقييد وقت الشاشات للأطفال الصغار إلى الحد الأدنى، مقابل تشجيع القراءة وسرد القصص.

وأكد بسيوني أن العالم يشهد موجة دولية تعيد الاعتبار للكتاب الورقي بوصفه أداة تأسيس للوعي في مواجهة الفوضى الرقمية، مشيرًا إلى أن وكالة «رويترز» قدمت إطارًا تفسيريًا بالغ الدلالة للتحول العالمي في فلسفة حماية الطفولة، بينما تناولت صحيفة «لوموند» الفرنسية الموضوع بعمق ثقافي، معتبرة العودة إلى الكتاب الورقي فعل مقاومة واعية لاقتصاد الانتباه.

واختتم رئيس تحرير أخبار اليوم بالتأكيد على أن حضور جيل «زد» في معرض الكتاب لا يبدو مشهدًا عابرًا، بل مؤشرًا ثقافيًا بالغ الدلالة، يكشف عن معركة هادئة تُخاض على وعي المستقبل، بين كتاب يُقرأ على مهل، وشاشة تبتلع الانتباه بلا هوادة، مشددًا على أن الرهان الحقيقي يكمن في القدرة على تحويل هذا الإقبال إلى مشروع وعي مستدام، يحصّن هذا الجيل ويمنحه أدوات الفهم والنقد، ويضعه في موقع الشريك في صناعة المستقبل، لا مجرد مادة خام في صراعاته.

تم نسخ الرابط