عاجل

عبدالأمين الصومالي: الإمام الأشعري انتصر لمذهب الصحابة والتابعين وأئمة الحديث

الشيخ عبدالأمين الصومالي
الشيخ عبدالأمين الصومالي

قال الشيخ عبدالأمين الصومالي الأشعري، إنه لطالما ثار الجدل حول علاقة المدرسة الأشعرية بمذهب السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم في القرون الثلاثة الأولى. وإذا ما نظرنا في عمق التاريخ الإسلامي وبنية الفقه السني، نجد أن الأشاعرة لم يكونوا يوماً مذهباً مستحدثاً أو طارئاً على الأمة، بل هم الجناح الحامل لعقيدة أهل السنة والجماعة، وهم الذين صاغوا بلغة الدليل والبرهان ما كان عليه الصدر الأول، حمايةً للعقيدة من غلو المشبهة وتقصير المعطلة.

الامتداد لا الابتداع: من هم الأشاعرة؟

وتابع الصومالي: يؤكد علماء الأمة أن الإمام أبي الحسن الأشعري (المتوفى 324هـ) لم يبتدع مذهباً جديداً، بل انتصر لمذهب الصحابة والتابعين وأئمة الحديث. يقول الإمام تاج الدين السبكي في كتابه الشهير "طبقات الشافعية الكبرى": "اعلم أن أبا الحسن لم يبدع رأياً ولم ينشئ مذهباً، وإنما هو مقرر لمذاهب السلف، مناضل عما كانت عليه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالانتساب إليه إنما هو باعتبار أنه عقد على طريق السلف نطاقاً، وتمسك به وأقام الحجج والبراهين عليه، فصار الظاهر عنه والمتكلم في حججه يسمى أشعرياً".

وتابع: هذه الشهادة التاريخية توضح أن "الأشعرية" هي عنوان للمنهج السني الأصيل وليست خروجاً عنه. فالسلف الصالح كانوا يثبتون الصفات الإلهية كما وردت منزهة عن التشبيه، وهو عين ما قام به الأشاعرة حين واجهوا الفلسفات الوافدة التي حاولت إخضاع الخالق لقوانين المادة.

التمسك بآثار القرون الثلاثة الأولى

اعتمد الأشاعرة في تقرير عقائدهم على ما نقله أئمة القرون المفضلة. ففي مسألة "التنزيه"، لم يأتِ الأشاعرة بجديد من عند أنفسهم، بل استندوا إلى أقوال أئمة السلف. يروي الإمام البيهقي في كتابه "الأسماء والصفات" بسنده عن الإمام الأوزاعي وسفيان الثوري والإمام مالك بن أنس قولهم في آيات الصفات: "أَمِرُّوها كما جاءت بلا كيف".

ولفت إلى أن هذا "النفي للكيف" هو جوهر المذهب الأشعري، فالسلف حين قالوا "بلا كيف" نزهوا الله عن مشابهة المخلوقين (التجسيم)، والأشاعرة حين قالوا "الله منزه عن الجهة والحيز" إنما فسروا قول السلف "بلا كيف" بلغة علمية تقطع الطريق على المجسمة الذين حاولوا جعل "الكيف" مجهولاً مع إثبات صورته الحسية، بينما الأشاعرة يثبتون أصل الصفة وينفون حقيقة الكيف الحسي الملازم للأجسام.

الأشاعرة وحواضن المذاهب الفقهية

وقال: لا يمكن فصل المذاهب الفقهية الأربعة عن العقيدة الأشعرية والماتوريدية، فجمهور الفقهاء عبر العصور كانوا أشاعرة. فالسادة المالكية والشافعية هم أشاعرة العقيدة، ومعظم السادة الحنابلة (غير المشبهة منهم) ومتأخري الأحناف (ماتوريدية وهم صنو الأشاعرة) يمثلون هذا الجناح.

يقول الإمام مرتضى الزبيدي في كتابه "اتحاف السادة المتقين": "إذا أطلق أهل السنة والجماعة فالمراد بهم الأشاعرة والماتوريدية". هذا الإجماع السكوتي والعملي من الأمة طوال ألف عام هو أكبر دليل على أن هذا المنهج هو الممثل الشرعي للقرون الثلاثة الأولى. فمن غير المعقول أن تكون الأمة بمذاهبها الفقهية وجامعاتها الكبرى (كالأزهر والزيتونة والقرويين) قد ضلت الطريق وخرجت عن نهج السلف.
تفنيد فرية "مخالفة السلف"

يتهم البعض الأشاعرة باستخدام "علم الكلام" وأنه بدعة لم تكن في القرون الثلاثة. والرد على ذلك يأتي من واقع الدفاع عن الدين؛ فالسلف لم يحتاجوا لهذا العلم لسلامة فطرتهم وعدم وجود فتن فكرية كبرى في زمانهم. ولكن حين ظهرت المعتزلة والمجسمة، صار لزاماً على العلماء استخدام العقل لدفع الشبهات.

يقول الإمام أبو بكر الباقلاني في كتابه "التمهيد": "إننا لم نحدث إلا ما تدعو إليه الضرورة للرد على من انحرف عن نهج السلف". فالأشاعرة استخدموا العقل خادماً للنقل، ولم يقدموا العقل على النص كما فعلت المعتزلة، بل جعلوا العقل أداة لفهم النص وتنزيهه عن ترهات المشبهة الذين أرادوا أن يجعلوا لله وجهاً كوجوهنا ويداً كأيدينا.

ثمرات المنهج الأشعري في حفظ الأمة

لقد كان المنهج الأشعري هو الحصن الذي منع انزلاق المسلمين نحو "الوثنية المقنعة" أو "الإلحاد العقلي". فبتأكيدهم على أن الله موجود لا يشبه المخلوقات، حفظوا هيبة الخالق في النفوس. وباعتدالهم في التعامل مع النصوص، منعوا الصدام بين العلم والإيمان.

إن المصادر الأصلية، ككتاب "الإبانة" للأشعري (في روايته المنزهة)، و*"التبصير في الدين"* للإسفراييني، و*"شرح المقاصد"* للتفتازاني، كلها تجمع على أن الهدف هو "نصرة ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه".

الجناح الحامي للسنة

وشدد على أن الأشاعرة هم الجناح الأصيل لأهل السنة، وهم الامتداد الطبيعي لمدرسة الصحابة في التنزيه والتعظيم. لم يخرجوا عن القرون الثلاثة الأولى إلا بالزمن، أما بالمنهج والروح فهم حراس عقيدة السلف الصالح. إن محاولة إخراج الأشاعرة من دائرة السنة هي محاولة لتمزيق تاريخ الأمة وعزل جمهور علمائها وفقائها عن هويتهم الأصيلة.
ستبقى مدرسة الأشاعرة هي المنهج الوسطي الذي يجمع الأمة، ويدفع عنها غلو المتطرفين وتأويل الجاهلين، مستلهمة نورها من الكتاب والسنة وما أجمع عليه سلف الأمة في أزهى عصورها.

تم نسخ الرابط