«اللهم اهدنا إلى الخوف منك بمعرفتك والإيمان بصفاتك».. ما معنى الخوف وفضله؟
قال الدكتور علي جمعة عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر إنه قد ورد في القرآن الكريم كثيرٌ ممَّا يدلُّ على فضلِ الخوف؛ وآيةُ ذلك أنَّ الله جمع للخائفين الهدى والرحمةَ والعلمَ والرضوان، وهي من مجامع مقامات أهلِ الجِنان.
فضل الخوف من الله
واستدل بقول الله سبحانه: ﴿هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ [الأعراف: 154]، وقال تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة: 8]. وبالاستقراء نجد أنَّ كلَّ ما دلَّ على فضيلةِ العلم دلَّ على فضيلةِ الخوف؛ لأنَّ الخوفَ ثمرةُ العلم.
وأوضح: في مقامٍ آخر أمر الله بالخوف وجعله شرطًا في الإيمان فقال عزَّ وجلَّ: ﴿وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 175]. ولذلك لا يُتصوَّر أن ينفكَّ مؤمنٌ عن خوفٍ وإن ضعف، ويكون ضعفُ خوفِه بحسب ضعفِ معرفتِه وإيمانِه.
وأوضح علي جمعة أن الرواياتُ عن مخاوفِ الأنبياءِ والصحابةِ والتابعين ومن بعدهم كثيرةٌ؛ فمنها ما روت عائشةُ رضي الله عنها قالت: كان النبيُّ ﷺ إذا عصفت الريح قال: «اللهم إني أسألك خيرها وخيرَ ما فيها وخيرَ ما أُرسلتْ به، وأعوذ بك من شرها وشرِّ ما فيها وشرِّ ما أُرسلتْ به». قالت: فإذا تَخَيَّلَت السماءُ تغيَّر لونُه، وخرج ودخل، وأقبل وأدبر؛ فإذا مطرت سُرِّي عنه. (سنن البيهقي). وورد أنه ﷺ كان إذا دخل في الصلاة يُسمع لصدره أزيزٌ كأزيزِ المرجل. (صحيح ابن خزيمة).
وممَّا ورد في القرآن عن صالحي قوم موسى عليه السلام قولُ الله تعالى: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: 23]. وقد ورد مثلُ ذلك عن الصحابة والتابعين وأولياءِ الله الصالحين.
وشدد علي جمعة أنه ليس المطلوبُ من خوفِ العبدِ من ربِّه أن يصل إلى حدِّ الفَزَعِ والرُّعبِ الذي يبعده عنه؛ بل ينبغي أن يكون الخوفُ من الله سبحانه مشبعًا بحبِّه. أمَّا الرعبُ والفزعُ فيأتيان من الخوفِ من الأذى، والله سبحانه رحمنٌ رحيمٌ، برٌّ جميل. ولذلك فإن كثيرًا من الناس إذا فهموا الخوفَ بمعنى الفزعِ من الله فإنهم يملُّون؛ حتى ترى العلاقةَ بين الإنسان وربِّه مع هذا الملل تؤدي إلى الاضطراب، وتبدأ العلاقةُ في التراجع. في حين أنه لو فهم الخوفَ بأنه مليءٌ بالحب لأدَّى ذلك إلى علاقةٍ إيجابيةٍ تؤدي إلى التقوى، وإلى السكينة والطمأنينة، والركونِ إلى رحمةِ الله تعالى.
وأكد علي جمعة أن الخوف الحقيقيَّ المشبعَ بالحب هو نوعٌ من أنواع الهيبة والرهبة والجلال والقداسة؛ وكلها معانٍ تؤدي إلى مزيد الطلب وإلى دوام السير في طريق الله. وهذا هو الذي يساعد الإنسانَ على أن ينهى النفسَ عن الهوى، ويشعر بلذَّةٍ في صدره وقلبه فيزداد من التقوى، ويزول شعورُه بالحرمان والمنع. وهذا هو الفرقُ الكبيرُ بين من جعل العلاقةَ بينه وبين ربِّه مبنيةً على الرعب والفزع، ومن جعلها مبنيةً على الرحمة والحب.
ودعا: اللهم اهدنا إلى الخوفِ منك بمعرفتِك والإيمانِ بصفاتِك، واجعل عاقبتَنا خيرًا؛ فأنت الموفِّقُ والمستعان.





