تعديلات قانون الكهرباء بين التأييد والرفض: جدل حول العدالة وحماية المال العام
أثار مشروع تعديل قانون الكهرباء المقدم من الحكومة جدلًا واسعًا تحت قبة مجلس النواب، بين مؤيدين يرون فيه خطوة ضرورية لحماية الشبكة القومية للكهرباء والحد من الفقد وسرقة التيار، ومعارضين يحذرون من تداعيات اجتماعية واقتصادية قد تمس المواطن البسيط، معتبرين أن فلسفة تغليظ العقوبات لا تعالج جذور الأزمة.
وخلال اجتماعات لجنة الشئون الدستورية والتشريعية، تباينت المواقف النيابية بشكل واضح، في وقت لا تزال فيه التعديلات محل مناقشة دون حسم نهائي.
المؤيدون: تشريع لحماية الشبكة وخفض الفقد إلى أقل من 12%
أكد النائب طارق الملا، رئيس لجنة الطاقة بمجلس النواب، أن مشروع تعديل قانون الكهرباء يأتي في إطار حرص الدولة على تحديث الإطار التشريعي المنظم للقطاع، بما يتواكب مع المتغيرات الاقتصادية والفنية، ويستجيب لمتطلبات المرحلة الحالية والمستقبلية، مشددًا على أن التعديلات تمثل أداة رئيسية لحماية الشبكة القومية وضمان استدامة المرفق.
وأوضح الملا، خلال اجتماع لجنة الشئون الدستورية والتشريعية، أن الدولة تعمل وفق استراتيجية الطاقة المتكاملة والمستدامة حتى عام 2035، والتي تستهدف رفع كفاءة استخدام الطاقة وترشيد الاستهلاك بنسبة تتجاوز 18% في مختلف القطاعات، من خلال تطوير الشبكات، وتحديث أنظمة الإنارة، وتشجيع المواطنين على استخدام الأجهزة الموفرة للطاقة، إلى جانب إنهاء العمل بنظام الممارسة، ومواصلة تركيب العدادات الكودية، والتوسع في مشروعات العدادات الذكية.
وأشار رئيس لجنة الطاقة إلى أن نسبة الفقد في التيار الكهربائي بلغت نحو 19.4% من إجمالي الإنتاج خلال العام المالي 2023/2024، موضحًا أن هذا الفقد ينقسم إلى جزء فني تعمل وزارة الكهرباء على خفضه عبر تطوير كفاءة الشبكة والبنية التحتية، وجزء تجاري ناتج عن سرقة التيار الكهربائي، مؤكدًا أن استمرار هذا الوضع يمثل نزيفًا حقيقيًا لموارد الدولة.
وشدد الملا على ضرورة القضاء على الفقد التجاري من خلال آليات قانونية صارمة ومحددة زمنيًا، بهدف الوصول بنسبة الفقد الإجمالية إلى أقل من 12% بحلول عام 2030، معتبرًا أن التعديلات المقترحة تمثل خطوة محورية في هذا الاتجاه.
وأوضح أن مشروع القانون يتضمن تعديلات على مواد العقوبات في قانون الكهرباء رقم 87 لسنة 2015، تستهدف حماية الشبكة الكهربائية، وتحديد مسؤوليات العاملين بالقطاع، وفرض جزاءات منضبطة على المخالفين، بما يضمن الحفاظ على المال العام واستمرارية تقديم الخدمة بكفاءة عالية.
من جانبه، أكد المستشار محمد عيد محجوب، رئيس لجنة الشئون الدستورية والتشريعية بمجلس النواب، أن التعديلات المقترحة تتضمن تشديد العقوبات، سواء بالحبس أو الغرامة، على جرائم سرقة التيار الكهربائي، في إطار مواجهة الظاهرة التي تستنزف موارد الدولة.
وأشار محجوب إلى أن أحد أبرز ملامح مشروع القانون هو التوسع في نظام التصالح، ليشمل جميع الجرائم الواردة بالقانون، بحيث يتم التصالح على المبالغ المقدرة للكهرباء المسروقة، بما يحقق التوازن بين الردع والحفاظ على حقوق الدولة.
وأوضح أن مشروع القانون يتضمن كذلك نصوصًا خاصة بمساءلة العاملين بقطاع الكهرباء حال ارتكابهم جرائم تتعلق بالتلاعب أو تسهيل سرقة التيار، مؤكدًا أن هذه الجرائم لا يمكن تبريرها بحسن النية، لأنها تقع عن تعمد من أشخاص على دراية بالقانون وإجراءاته.
المعارضون: تغليظ العقوبات يظلم المواطن البسيط
في المقابل، أعلن النائب مصطفى بكري، عضو مجلس النواب، رفضه مشروع تعديل قانون الكهرباء، محذرًا من خطورته الاجتماعية، ومعتبرًا أنه لا يحقق العدالة بين فئات المجتمع المختلفة.
وقال بكري: «أرفض هذا القانون لأنه لا يساوي بين المواطن البسيط الذي يسكن في عشة، وصاحب مصنع أو من يسكن في منطقة راقية»، مؤكدًا أن تطبيق نفس العقوبات على الجميع دون تفرقة يمثل ظلمًا اجتماعيًا صارخًا.
وأضاف: «بهذه الطريقة سنحبس نصف مصر»، محذرًا من أن تطبيق القانون بصورته الحالية قد يؤدي إلى نتائج كارثية، مطالبًا بإعادة صياغة بعض المواد، ووضع ضوابط واضحة لمأموري الضبط القضائي، بما يمنع التعسف في التنفيذ ويحمي حقوق المواطنين.
كما أعلن النائب عاطف المغاوري رفضه لتعديلات قانون الكهرباء، معتبرًا أن بدء عمل البرلمان بتغليظ العقوبات يعكس نهجًا متكررًا انتهجته الحكومة خلال الفصلين التشريعيين السابقين، مؤكدًا أن هذا المسار لم يحقق نتائج حقيقية على أرض الواقع.
وقال المغاوري، خلال اجتماع اللجنة، إن فلسفة تغليظ العقوبات تقوم في جوهرها على الانتقام وليس معالجة جذور المشكلة، مشددًا على أن التشريع العادل يجب أن يبدأ بالإصلاح قبل العقاب، وأضاف: «قبل ما تعاقب عالج».
وأشار إلى وجود مشكلات حقيقية في العلاقة بين المواطنين وشركات الكهرباء، لافتًا إلى أن الشركات تعمل في إطار احتكاري دون وجود منافس، وتفرض أسعارها على المستهلكين، ما يزيد من الأعباء الاقتصادية على المواطنين.
وتساءل المغاوري عن التكلفة الحقيقية لإنتاج الكهرباء، مطالبًا الحكومة بالشفافية في عرض الأرقام، ومؤكدًا أن أي تشريع عادل يجب أن يوازن بين حماية موارد الدولة ومراعاة الأوضاع الاقتصادية للمواطنين، مختتمًا تصريحاته بقوله: «يا حكومة قبل ما تفرضي غرامات على المواطنين فتشي في جيبك 7 مرات».
بدوره، أعلن النائب طاهر الخولي، وكيل لجنة الشئون الدستورية والتشريعية بمجلس النواب، رفضه مشروع تعديل قانون الكهرباء، متسائلًا عن جدوى تغليظ العقوبات للمرة الثانية خلال فترة زمنية قصيرة.
وأوضح الخولي أن الحكومة سبق وأن غلظت العقوبات على سرقة التيار الكهربائي عام 2020، وتمت الموافقة عليها من البرلمان، متسائلًا عن مدى تأثير هذا التغليظ على تحقيق الردع العام، ولماذا تعود الحكومة بعد خمس سنوات فقط لتقديم تعديلات جديدة.
وأشار إلى أن المشكلة الحقيقية لا تكمن في نصوص العقوبات، بل في غياب تفعيل قانون التصالح، وعدم وجود إجراءات فعالة للحفاظ على المال العام، معتبرًا أن تشديد العقوبات دون معالجة هذه الثغرات لن يحقق الهدف المنشود.
جدل مفتوح وصيغة منتظرة
ويعكس هذا الجدل البرلماني انقسامًا واضحًا بين رؤيتين؛ الأولى ترى في تغليظ العقوبات ضرورة لحماية الشبكة الكهربائية وموارد الدولة، والثانية تحذر من أن التطبيق غير المنضبط قد يثقل كاهل المواطنين ويعمق الإحساس بعدم العدالة.
ومع استمرار المناقشات داخل اللجان المختصة، تبقى الصيغة النهائية لتعديلات قانون الكهرباء مرهونة بالتوصل إلى توازن حقيقي بين الردع القانوني والإصلاح الاجتماعي، بما يضمن حماية المال العام دون الإضرار بحقوق المواطنين.