عاجل

التاريخ ليس حكايات تحكى قبل النوم، بل هو "سجل سيادة" يكتب بالدم والمواقف، لكن في مصر، استمرأ البعض لعبة "تأميم المسميات" حتى تاهت الحقيقة بين ضجيج الهتاف وخبث الأيديولوجيا، إننا اليوم لا نحاكم أحداثا مضت، بل نحاكم "التزييف" الذي صبغ "الهوجة" برداء البطولة، وألبس "الانتفاضة" ثوب الثورة، وسمح للمتسللين بأن يسرقوا أقدس تواريخنا الوطنية ليحولوها إلى منصات لتصفية الحسابات مع الدولة ومؤسساتها.

حين يختلط "عيد الصمود" بـ "فوضى العبور"، وحين يصبح يوم "البدلة الميري" مجرد غطاء ليوم "الناشط السياسي"، فنحن هنا أمام جريمة في حق الذاكرة الوطنية لا تسقط بالتقادم.

لذا، آن الأوان أن ننزع قناع الرومانسية عن وجه التاريخ المصري، وأن نتوقف عن منح لقب "ثورة" لكل من خرج في شارع أو اعتلى منصة، العلم السياسي لا يعترف بالعواطف، والواقع المصري أثبت أننا كنا ضحية "تضخم في المصطلحات" وفقر في النتائج.

لنبدأ من "هوجة عرابي"، كما سماها أجدادنا في الريف بذكائهم الفطري، لم تكن ثورة، بل كانت اندفاعا عسكريا غير مدروس، دفع ثمنه الوطن عقودا من الاحتلال، ثم نأتي لـ 23 يوليو، دعونا نسم الأشياء بمسمياتها، لقد كان "انقلابا عسكريا" قاده رجال أخلصوا لوطنهم، فمنحهم الشعب شرعية "الثورة" لاحقا، الفرق هنا هو "المشروع" لا "الوسيلة".

أما عن 25 يناير، فهي الخديعة الكبرى في التوقيت، إن اختيار عيد الشرطة لم يكن صدفة، بل كان محاولة "مؤدلجة" من جماعات طامحة للسلطة لطمس تاريخ من الصمود الوطني للشرطة المصرية، وتحويل "انتفاضة شباب" طامح للتغيير إلى أداة لهدم أعمدة الدولة.

إن كان ولابد من الاحتفال، فاحتفلوا بـ 11 فبراير يوم رحيل النظام، أو 23 يناير يوم بدأت التحركات، لكن لا تجعلوا من "محاولة طمس الهوية" عيدا.

أما 30 يونيو، فكفاكم جدلا، لم تكن ثورة لهدم الدولة، بل كانت "استدعاء شعبيا" لإنقاذ ما تبقى منها، هي حراك وجودي لشعب رفض أن تختطف هويته، فاستعان بظهيره العسكري ليقطع الطريق على مشروع "الأخونة".

ومن هنا، وجب علينا توجيه نداء مباشر وصريح إلى القيادة السياسية، إن تاريخ 25 يناير هو ملكية فكرية ووطنية خالصة لدموع ودماء رجال الشرطة المصرية الذين صمدوا في الإسماعيلية عام 1952، هو يوم "الكرامة الأمنية" الذي لا يقبل القسمة على اثنين.

إن محاولة "دمج" هذا التاريخ مع حراك عام 2011 هي بحد ذاتها تكريس لمخطط طمس الهوية الذي أرادته جماعات لا تؤمن بالدولة.

لذا، نطالب وبقوة بإعادة الاعتبار لهذا اليوم ليكون "عيد الشرطة" خالصا ومجردا من أي تسميات أخرى، أما ما يسمى بـ "ثورة 25 يناير" أو انتفاضة الشباب، فإن أرادت الدولة تخليدها، فليكن ذلك في تاريخها الحقيقي، إما في 23 يناير يوم انطلقت الشرارة الأولى بعفوية شبابية، أو في 11 فبراير يوم "التنحي" الذي يمثل النتيجة السياسية الفاصلة.

أما الإصرار على دمج الذكرى في يوم 25 يناير، فهو استمرار لمنح "قبلة الحياة" لرواية الإخوان التي أرادت كسر هيبة البدلة الميري في عقر دارها.

فالتاريخ لا يكتبه الهتاف، بل تكتبه النتائج، كفانا "هوجات" وانتفاضات يتم ركوبها، ولنعد إلى بناء الدولة القوية التي لا تهزها الشعارات.

تم نسخ الرابط