مرافعة تاريخية تهز المحكمة في قضية أب قتل نجله بسمالوط
قدم ممثل النيابة العامة، محمود رياض وكيل نيابة سمالوط الجزئية، مرافعة تاريخية أمام هيئة المحكمة في القضية رقم 17045 لسنة 2025 جنايات سمالوط غرب، والمقيدة برقم 2514 لسنة 2025 كلي شمال المنيا، والمتهم فيها "جمال.م"، بقتل نجله بسبب تعاطيه المواد المخدرة وتشاجره الدائم مع الأهالي والجيران، حيث انتهز فرصة تعمق نجله في النوم، وتعدى عليه بقطعة حديدية على رأسه، ما أودى بحياته.
النيابة: لم تكن ضربات دفاع عن النفس بل إنهاء للحياة
وأشار ممثل النيابة خلال مرافعته إلى وقائع الجريمة قائلا: اسمحوا لي أن أنقلكم من صمت هذه القاعة إلى ضجيج مأساة إنسانية مكتملة الأركان وقعت أحداثها خلف أبواب كان يفترض أن تغلق على المودة والسكينة، فإذا بها تغلق على الغدر والدم، لنبين لعدالتكم كيف طوعت لنفس المتهم قتل ابنه وكيف ترصد له بقلب ميت وعقل لم يدرك فداحة ما هو عليه من المنكر.
وتابع ممثل النيابة مرافعته قائلا: تفتح أوراق الدعوى صفحاتها على "مصطفى" ذلك الشاب الذي بلغ ستة وثلاثين عاما، كان عاملا يسعى على رزق عياله مستقرا في كنفه الصغير مع زوجته وطفليه "محمد" و"جودي"، ولكن تسلل "شيطان السموم" إلى حياته فاستحكمت منه المواد المخدرة حتى جعلت منه شخصا آخر، عيناه تخيفان الناظرين دائم الهيجان والتشاجر. هجرته زوجته، فلم يجد مفرا إلا العودة إلى بيت أبيه المتهم "جمال".
وأضاف: "هنا بدأت ملامح النهاية، فلم يكن الابن العائد بارا بل بات "خطرا داهما" يهدد أمن والديه، حتى كان الأقارب يتناوبون المبيت ليحرسوا الأب والأم من ابنهما.. وهو نائم! نام الأنام وبات الرعب يسكننا والخوف نار وأمن البيت مفقود، نخشى من الابن حتى في منامه كأنه ذئب.. ونحن له مصيد! تصوروا يا سادة، أب وأم في خريف العمر يقضيان ليلهما في رعب يترقبان حركات من هو من صلبهما، وكأن لسان حالهما يقول يا ليل طول.. فالأمن غاب عن الحمى والابن بات كموج بحر هائج! كنا ننام.. وفي الجوار أماننا واليوم نسهر.. خوف كل مفاجئ! لم يكن الموت هنا وليد لحظة صدام، بل كان خاتمة ليأس طال أمده".
من بيت آمن إلى مسرح دم
وأشار ممثل النيابة إلى أن رحلة "مصطفى" التي بدأت ببيت وعيال انتهت بضربات غادرة من "رجل كرسي حديدية" هوت على رأسه وهو غارق في سباته لتسكت صرخاته للأبد، وتابع: “وانتهى به الأمر جثة هامدة في جوال ألقي في قاع البحر، إن هذا المشهد يجسد "المأساة الاجتماعية" قبل أن يكون "جريمة جنائية"، وهو مشهد انهيار الأبناء تحت وطأة الإدمان وانهيار الآباء تحت وطأة اليأس والخوف".
وأكمل: “هنا توقفت نبضات الرحمة في قلب الأب وحل محلها ذعر ممزوج بغيظ مكتوم لسنوات، اندفع الأب "جمال" من فراشه التقط "رجل كرسي حديدية" كانت ملقاة في الصالة، وبكل ما أوتي من قوة كال لابنه ضربات متتالية على رأسه، لم تكن ضربات للدفاع عن النفس فحسب بل كانت ضربات قصدية لإنهاء المعاناة.. بإنهاء الحياة، سقط "مصطفى" صريعا وفاضت روحه في صالة المنزل غارقا في دماء، هي ذات دماء الجاني".
وأشار ممثل النيابة قائلا: "اسمحوا لي أن أنطق بما عجز عنه لسان المجني عليه وهو يتلقى ضربات الغدر من أبيه، وكأن روحه الملقاة في سماء هذه القاعة تبثكم الشكوى وتقول لقاتلها بلسان الحال: يا أبي.. أم منك الموت؟ وأنت الذي منحتني الوجود! أتهوى بالحديد علي وقد كنت لي عمودا! أنا بعضك.. مهما عققتك أو جهلت، فهل كان ذبحى لعوقي ردا سديدا؟ يا أبي.. لو طردتني لجعت، لو ضربتني لبكيت، لكنك قتلتني نائما.. وهدمت ما كان مشيدا! يا أبي.. كيف طوعك قلبك أن تنسى أنني ابنك؟ وأن دمي كان في عروقك يوما وريدا! سأشكوك لله.. يوم نقف للحساب خصوما ويوم لا تجد لذنب قتلي.. عذرا أو شهيدا! أي قلب هذا يا سادة؟ أي راحة نشدها هذا الأب وهو يسمع تهشم عظام نجله تحت ضربات حديده؟ إن القاصي والداني يعلم أن هذا ليس تأديبا بل هو اجتثاث للحياة بدم بارد".
المتهم لم يبك على جثة ولده بل استدعى أخاه ونقلا الجثة كأنها جماد
وتابع: "لم يهرع الأب لطلب الإسعاف ولم يبك على جثة ولده، بل وقف بدم بارد يخطط لطمس الحقيقة، استدعى الأب نجله الثاني "هشام" الذي أتى بـ "دراجة نارية – تريسكل" لتكون مركبة الموت التي حملت لحومهم ودمهم إلى غياهب الجب، يا لغلظة القلوب وقسوتها! جرم يشيب له الولدان شيبا، ثم تعاونا معا ووضعا الجثة في جوال بلاستيكي وحملاها كأنها جماد لا قيمة له! أي جحود هذا يا سادة؟ أي قسوة تملك هذا الأخ؟ بدل أن يفزع لرؤية شقيقه مضرجا بدمائه صار شريكا في نقله لقاع الماء، انطلقا في جنح الليل وألقيا به في أعماق "ترعة البحر اليوسي" ليتخلصا من الجثمان دون رحمة أو شفقة! لم تهتز للأخ شعرة بل أعان الأب على إخفاء الجريمة".
وأضاف ممثل النيابة: “لكن الله أبى إلا أن تطفو الحقيقة، ففي صباح ذات اليوم عثر الأهالي في قرية "أبو سيدهم"على الجثمان مجهول الهوية، ومن هنا انطلقت يد العدالة، فتحريات المباحث كشفت المستور، وكاميرات المراقبة سجلت لحظات خروج "التريسكل" حاملا الجوال المشؤوم، وبمواجهة الأب انهار واعترف بما جنت يداه مؤكدا بلسانه: "قتلت ابني لأرتاح منه ومن مشاكله".
وأضاف ممثل النيابة قائلا: "أي راحة هذه التي تبنى على جثة الابن؟.. وأي هدوء هذا الذي يشترى بدم الضنى؟! هذا المشهد يجسد المأساة الإنسانية والاجتماعية قبل أن يكون جريمة جنائية، وهو درس للعالم كله عن مخاطر الإدمان وانهيار الأسر تحت وطأة اليأس والخوف".



