فى رحلة جميلة مع الأدب الروسى وعمالقة القصة القصيرة كانت لى جولة فى التنقل من أديب الى آخر ومن قصة الى غيرها ؛ ووجدت نفسى مشدوهة بهذه الأعمال الرائعة التى تجعلك تعيش مع أبطال القصص وتضع نفسك مكانهم وتسأل عن موقفك فى هذه الأحوال وهل سيصبح تصرفك مثلهم !! الغريب أن معظم هذه القصص تحدثت عن الفقر والحرمان والألم وكيفية مواجهة أبطال هذه القصص لهذه المشاعر التى تندرج كلها تحت لفظة " الألم " أيا كان نوعه ألم الفقد ، ألم الحرمان ، ألم الخيانة ، ألم الغيرة وغيرها من الالام التى نعيشها فى مختلف مراحل عمرنا ، ولكن كان هناك نوعا آخر من الألم ام يذكره الكاتب ولكن عشته أنا حينما كنت صغيرة وكان يأتينا أحد أقارب أبى ، ولمن لايعرف أبى فقد كان إنسانا جميلا طيبا حلو الوجه والقلب وكان مضيافا لأبعد الحدود وساعده فى ذلك بالطبع أمى التى فتحت بيننا لكل قادم من بلدتنا فى محافظة القليوبية ليجد مستقرا ومقاما له فى القاهرة وتحديدا فى بيتنا الكائن فى منطقة المطرية ، أبى رحمه الله كان يزوره هذا الرجل وكان يكبر أبى بسنوات قليلة ، ولاحظت أن أبى كان فى كل لقاء معه يبدو حاملا للهم وحزبنا ولا أدرى السبب ، كنت كلما يأتى هذا القريب أتعمد التواجد مع أننى كنت لاأتخطى حينها السنوات العشر وأحاديث الكبار لم تكن تحذبنى كما أن طبيعة بيتنا ذو البنات الخمس والابن الوحيد لم يكن يسمح بأن تكون البنت فى جلسة الضيوف والأقارب البعيدين مثل ذلك القريب البعيد ، خوفى على أبو دفعتى دفعا لأن أجازف وأحضر هذا اللقاء الذى يتكرر على فترات متباعدة ، قريب أبى قال لأبى " خايف زى مقلتلك وزى مبقولك كل مره ، خايف من إن اللى أنا فيه ، الدنيا مديانى من وسع ، الفلوس من كترها معبيها فى زكايب وحططتها فى الزريبه من كتر ماكل مكان مليان فلوس ، العيال ماشاء الله سبع صبيان وبنتين وكلهم ولاد حلال مصفيبن ، الصحه مية فل وعشره ، أم العيال حورية من حور الجنة نزلت فى الأرض ، كل حاجه متيسره زى مبيقول الكتاب ، أهلى غرقانين فى خيرى وبيدعولى وأمى وابويا ميتين راضيين عنى .. أنا خايف إن عدم الابتلاء يكون غضب من ربنا ، أعمل إيه ياأبو العينين ، أنا مبنمش الليل من الخوف من ربنا ليكون كل ده نقمه مش نعمه .. أبويا رحمه الله كان يستقبل حديثه تارة بالسخرية منه وبأنه راجل فقرى ونكدى ، وتاره أخرى بنصيحته بالتصدق وفعل الخيرات أكثر وأكثر .. وعندما كبرت وتغيرت الدنيا ولم أعد أرى ضيفنا القريب البعيد وسألت عنه أبى فدمعت عيناه وقال لقد إعتاد النعمه واعتاد الالم المصاحب لها وأصبح لايشعر بها من كثرة خوفه مما وراءها .. مرت سنون كثيرة وفقدت ابواي وابنى واختى الكبيرة واختى التى تليها وأصبح طعم الفقد هو السائد ووجدتني أعتاد الألم مثلى مثل إبطال المجموعات القصصية القصيرة التى يغزل فصولها وكلماتها الأدباء الروس الراحلين ، ففى واحدة من هذه القصص تقول البطلة لمعذبها " لم أعد أتألم فقد إعتدت الألم وعليك أن تعذبنى بطريقة أخرى ربما تكون طريقة ادخال السعادة على حياتى تشكل ألما جديدا لن أعتاده كما إعتدت واستسغت طعم الألم " جملة عبقرية تلخص أن تعيش وانت متآلفا مع كل ماتفرزه لك الحياة وماتقدمه لك الدنيا لأنك قد اعتدت الألم !!