هل يدعم الإنجيليون إسرائيل؟.. رجال الدين المسيحي يحسمون الجدل ويفضون الاشتباك
نظم مركز دراسات مسيحية الشرق الأوسط، مساء الجمعة، ندوة فكرية بعنوان «هل يدعم الإنجيليون إسرائيل؟»،في إطار الجدل المتصاعد حول دور الدين في الصراعات السياسية، وذلك بقاعة المركز داخل كلية اللاهوت الإنجيلية بمنطقة العباسية بالقاهرة، سعيًا لتقديم قراءة لاهوتية نقدية لمسألة شائكة طالما أُثيرت في الإعلام والدوائر السياسية.
مساحة للحوار الهادئ
وهدفت الندوة إلى فتح مساحة حوار أكاديمية هادئة حول العلاقة بين اللاهوت المسيحي والسياسة، ومناقشة الحدود الفاصلة بين الإيمان باعتباره تعبيرًا روحيًا وعقائديًا، والسياسة باعتبارها ممارسة تاريخية متغيرة تتأثر بالواقع والسياقات المختلفة.
وأدار الجلسة القس رفعت فكري، الأمين العام المشارك لمجلس كنائس الشرق الأوسط، وراعي الكنيسة الإنجيلية بروض الفرج، ورئيس مجلس الحوار والعلاقات المسكونية بالكنيسة الإنجيلية بمصر، حيث قدّم كلمة افتتاحية شدد فيها على أهمية الحوار المسؤول، وفتح باب النقاش أمام الحضور في إطار من الاحترام المتبادل.
قراءة لاهوتية نقدية
وقدّم المحاضرة الرئيسية الدكتور القس عاطف مهني، العميد الأسبق لكلية اللاهوت الإنجيلية، ومدير مركز دراسات مسيحية الشرق الأوسط، حيث تناول بالسرد والتحليل الخلفيات اللاهوتية والتاريخية لمواقف التيارات الإنجيلية المختلفة من إسرائيل، مؤكدًا أن الحديث عن «موقف إنجيلي واحد» هو تبسيط مخل يتجاهل التنوع الواسع داخل الإنجيلية.
تفكيك السؤال المركزي
وأكد مهني أن سؤال «هل يدعم الإنجيليون إسرائيل؟» لا يمكن فصله عن السياق التاريخي والسياسي للصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، الذي يُعد من أكثر الصراعات تعقيدًا في العصر الحديث، حيث تتداخل فيه الأبعاد السياسية والتاريخية والدينية، وتتراجع فيه فرص السلام والعدالة مع مرور الوقت.
مدخل حذر إلى موضوع معقّد
وأشار في مستهل حديثه إلى حذره الشخصي في تناول هذا الموضوع الإشكالي، نظرًا لتعدد التخصصات والخلفيات بين الحضور، موضحًا أن هدف المحاضرة ليس الدخول في سجالات إعلامية أو الرد على أطراف بعينها، بل تقديم طرح متوازن يشرح القضية في أفقها الأوسع، ويساعد على فهم أعمق لتعقيداتها.
محاور الطرح اللاهوتي
وانطلقت المحاضرة من ثلاثة محاور رئيسية:
تعريف الإنجيليين ونشأتهم وتنوعهم.
تحليل موقفي التيارين الرئيسيين داخل الإنجيلية: التدبيري والعهدي.
مناقشة الإشكاليات المرتبطة بتوظيف الدين في السياسة والصراعات المعاصرة.
من هم الإنجيليون؟
وأوضح مهني أن الإنجيليين ينتمون إلى تقليد الإصلاح البروتستانتي، ويشكّلون نحو ربع المسيحيين في العالم، مع انتشار واسع في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، مشددًا على أنهم ليسوا جماعة واحدة، بل مجموعة واسعة من التيارات التي تتفق على ركائز أساسية مثل مركزية الكتاب المقدس، والخلاص بالمسيح، والنعمة الإلهية.
التياران التدبيري والعهدي
وبيّن أن المواقف الإنجيلية من إسرائيل تتوزع بين اتجاهين رئيسيين:
التيار التدبيري، الذي يستند إلى قراءة حرفية لنبوات العهد القديم، ويدعم إسرائيل دعمًا لاهوتيًا واضحًا.
التيار العهدي، والتي تنتمي له الكنيسة الإنجيلية المشيخية بمصر،و الذي يرى تاريخ الخلاص وحدة واحدة تتحقق في المسيح، ولا يمنح إسرائيل القومية امتيازًا لاهوتيًا دائمًا.
الجذور التاريخية للصهيونية المسيحية
وتناول مهني نشأة اللاهوت التدبيري في القرن التاسع عشر على يد جون نيلسون داربي، مشيرًا إلى تقسيمه تاريخ الخلاص إلى «تدابير»، وفصله بين إسرائيل والكنيسة، ورؤيته الأخروية التي تتضمن عودة اليهود إلى الأرض وإعادة بناء الهيكل. كما أشار إلى عوامل تاريخية أسهمت في انتشار هذا الفكر، منها اضطهاد اليهود في أوروبا، وظهور الصهيونية السياسية، وبروز الصهيونية المسيحية.
وحدة تاريخ الخلاص ونقد القراءة الحرفية
وفي المقابل، عرض رؤية اللاهوت العهدي الذي تؤكد عليه الكنائس المُصلحة والمشيخية، والتي تقوم على وحدة المقصد الإلهي ومركزية المسيح، ورفض الفصل الخلاصي بين اليهود والأمم. وانتقد مهني القراءة الحرفية للنبوات، معتبرًا أنها تتجاهل اللغة الرمزية والشروط الأخلاقية الملازمة للوعود الكتابية، التي ترتبط دائمًا بالعدل والتوبة والرحمة.
الإشكال العرقي ومسؤولية الإيمان
وتناول “مهني” الإشكال العرقي في الصراع، موضحًا أن الفلسطينيين واليهود المعاصرين ينتمون إلى خليط شعوب، وأن الاعتماد على فكرة «النقاء العرقي» أو انتقاء التاريخ لا يسهم في حل النزاع ، واستخدم مثالًا رمزيًا عن شخص يحمل كشافًا في ممر مظلم، مؤكدًا أن الإيمان لا يمنح امتيازًا خاصًا، بل يفرض مسؤولية أخلاقية تجاه الآخرين.
الخلاص للجميع والدين في مواجهة السياسة
وأشار إلى قراءة بولس الرسول في رسالة رومية، مؤكدًا أن الخلاص متاح للجميع دون تمييز، وأن أي تصور للتفوق الديني أو القومي يتناقض مع جوهر المسيحية.
وشدد الدكتور عاطف مهني في ختام حديثه على أن خلط الدين بالسياسة يؤدي إلى تشويه الإيمان، وأن الدور الحقيقي للدين هو تعزيز قيم العدالة والرحمة والسلام، لا تبرير العنف أو الهيمنة.
ختام الندوة
واختُتمت الندوة بالتأكيد على أهمية الحوار اللاهوتي النقدي، والتمييز بين النص الديني وتوظيفه السياسي، بما يسهم في بناء وعي أعمق بالقضايا المعاصرة، ويعزز فرص السلام والعدالة في الشرق الأوسط.