“ الراهب” يستعرض تجربة «دار الكلمة» أمام وفد كنسي أمريكي
استقبل الدكتور القس متري الراهب، الكاتب واللاهوتي، ومؤسس ورئيس جامعة دار الكلمة التابعة للكنيسة الإنجيلية اللوثرية في بيت لحم، وفدًا مكوّنًا من ستة أعضاء من الكنيسة المشيخية الأمريكية (PC USA)، حيث اصطحبهم في جولة داخل الحرم الجامعي، قبل أن يتناولوا الغداء معًا في المطعم ذي القبة المميّزة داخل الجامعة.
شراكة طويلة مع الكنيسة المشيخية الأمريكية
وأضاف الدكتور القس متري الراهب بأنه شريكًا قديمًا للكنيسة المشيخية الأمريكية، مؤكدًا خلال اللقاء إن أبرز ما يعتز به أنه شارك في عدد من الجمعيات العمومية للكنيسة المشيخية الأمريكية أكثر من أي قس آخر، إذ حضرت خمس جمعيات عمومية»، مضيفًا: «أنا فخور بالكنيسة المشيخية الأمريكية وبمواقفها».
جامعة دار الكلمة: فن وهوية وعدالة جندرية
وكشف “ الراهب” بأن جامعة دار الكلمة تضم نحو 600 طالب وطالبة، وتركّز برامجها الأكاديمية على الفنون والثقافة والتصميم، وهي مجالات وصفها الراهب بأنها «بالغة الأهمية في صياغة الهوية الفلسطينية». وأشار إلى أن نحو ثلثي طلبة الجامعة من النساء، قائلًا:«هذه جامعة تستثمر في قوة النساء والعدالة الجندرية».
واشار “ الراهب” إلي أن الحرم الجامعي صُمم بعقول فلسطينية وبُني بأيدٍ فلسطينية»، معتبرًا إياه «منارة للمنطقة بأكملها».
أربع تحديات كبرى تواجه فلسطين والمنطقة
وخلال حديثه مع الوفد، استعرض القس متري الراهب أربعة تحديات رئيسية قال إنها «تواجهنا وتواجه المنطقة بأسرها»:
أولًا: الاستيطان الاستعماري في فلسطين
وأوضح أن «المستوطنين يأتون إلى الأرض بنية استبدال السكان الأصليين»، مشيرًا إلى أن هذا النموذج حدث في الولايات المتحدة قبل 400 عام، لكنه يحدث في فلسطين خلال عقد واحد فقط، وهو ما وصفه بـ«غير المعقول». ورغم الحرب على غزة، شدد على أن الفلسطينيين أظهروا قدرًا كبيرًا من الصمود، معتبرًا ذلك «علامة على الأمل».
ثانيًا: «إسرَلة» العالم
وأشار الراهب إلى ما سماه «إسرَلة العالم»، وهي ظاهرة تسارعت بعد هجمات 11 سبتمبر، حيث بدأت إسرائيل تروّج لنفسها كخبير عالمي في الأمن، وتصدر تقنياتها إلى العالم. وقال: «فكروا كيف أصبحت أمريكا تشبه إسرائيل أكثر فأكثر»، لافتًا إلى انتشار الجدران العازلة عالميًا، وإلى أن الرئيس الأمريكي الحالي بنى حملته الأولى على شعار «ابنوا الجدار».
وفي المقابل، أكد أن «فلسطين العالمية» بدأت بالظهور، مع تزايد التظاهرات المؤيدة لفلسطين حول العالم، قائلًا: «هناك إسرائيل عالمية، لكن هناك أيضًا فلسطين عالمية تنهض».
ثالثًا: «تصهين» اللاهوت
وتحدث عن «تصهين اللاهوت»، وهي ظاهرة مستمرة منذ نصف قرن، موضحًا أن الصهيونية المسيحية لم تعد مقتصرة على الغرب، بل أصبحت أقوى في دول الجنوب العالمي. ورغم ذلك، أعرب عن دهشته الإيجابية بوجود 20 شابًا فلسطينيًا يدرسون حاليًا الدكتوراه في اللاهوت، وقال:
«كل هؤلاء الشباب يفكرون تفكيرًا تحرريًا تفكيكيًا للاستعمار».
رابعًا: عسكرة المنطقة
وأوضح الراهب أن «المنطقة ليست فقيرة، بل جرى إفقارها»، مشيرًا إلى ضعف القيادة السياسية في الشرق الأوسط، وفشل بناء مجتمعات ديمقراطية عادلة، مضيفا بأن المنطقة في فوضى، ولست متأكدًا كم سيستغرق الخروج من هذه الفوضى.
الفن والسينما كوسيلة للتأثير والمقاومة
وأكد القس متري الراهب أن التخصصات الفنية والثقافية والتصميمية قادرة على مواجهة هذه التحديات، موضحًا أن المحاضرات التقليدية قد لا تجذب سوى عدد محدود، بينما السينما والفنون قادرة على الوصول إلى جمهور أوسع، خصوصًا من لم يسمعوا عن فلسطين من قبل.
وفي هذا السياق، أشار إلى عرض فيلم «Palestine 36» في الجامعة، وهو عمل شارك في إنتاجه ثمانية من طلاب دار الكلمة، وقد تم ترشيحه للقائمة القصيرة لفئة أفضل فيلم روائي دولي في الدورة الـ98 من جوائز الأوسكار. وقال:
«عندما بدأنا، لم تكن هناك أفلام فلسطينية، أما اليوم فهناك أفلام على منصة نتفليكس شارك طلابنا في إنتاجها».
ازدهار الفن الفلسطيني و«المقاومة الإبداعية»
كما أشار الراهب إلى تزايد الطلب العالمي على الفن الفلسطيني، مستعرضًا أمام الوفد عددًا من الأعمال الفنية المعروضة داخل الجامعة، قبل التوجه إلى مأدبة غداء متعددة الأطباق أعدّها طلاب متخصصون في فنون الطهي.
وقال:«نحن فخورون بقدرتنا على المساهمة في هذه العملية، باعتبارها جزءًا من مقاومتنا الإبداعية».
تدمير فرع غزة والعمل وسط النزوح
وكشف القس متري الراهب أن جامعة دار الكلمة كان لها حرم جامعي في غزة، لكنه دُمّر خلال أسبوع الآلام عام 2024، موضحًا أن 40 من العاملين بالجامعة نزحوا ويعيشون حاليًا في خيام. وأضاف بتأثر: «في كل مرة أستحم فيها، أفكر فيهم. إنهم صامدون بشكل مذهل، ويقولون إنهم لا يستطيعون التوقف».
وأشار إلى أن هؤلاء العاملين يواصلون تقديم برامج العلاج بالفن للأطفال في مخيمات النزوح بقطاع غزة، وقد تمكنوا حتى الآن من الوصول إلى 25 ألف طفل، مؤكدًا:
«إنه عمل مدهش، لا أستطيع القيام به بنفسي. إنه تعبير حقيقي عن صمود شعبنا».