لم يكن مثيرا -رغم الإثارة الكاملة - أن تشهد المكتبة العربية فى مطلع العام الجديد كتابا عن الدكتور طلال أبوغزاله بقلم الذكاء الإصطناعى .
ربما تماشيا مع ثمة العصر ، أو تفاعلا مع ملكات الذكاء التى لا تبوح بكل ما تحوي .
خصائص كتاب بقلم الذكاء الإصطناعى تتفرد أنها لا تعبأ بالمواجهة أو إظهار الملاحظات ، غير ان ما يحير فى الأمر أنه كان كمن يحتفل بالضيف الذى زاره ، لا يبالغ فى الثناء لكنه يكيل التقدير ، لا يبحث عن عبارات الوصف العام ،لكنه يسن كلمات دقيقة مستقيمة المعنى واضحة الدلالة ، الذكاء أقرب إلى إسداء روح التفاؤل فى الإجابات كما لو كان يسعى إلى إرضاء المتلقى ، غير أنه فى هذا الكتاب كان لا يظهر المجاملة .
قبل أيام تم إصدار الكتاب بعنوان العقل الكامن وراء الآلة بقلم الذكاء الاصطناعي فى محاولة لقراءة عقل الذكاء عنه ما هى التفاصيل التى تهم الالة عن شخصية رجل مؤثر؟ هناك إهتمام كبير من جانب أبوغزاله بالرقمنة وتداعياتها ومؤسساته تتخصص فى هذه العلوم فضلا عن أنه تخرج فى الجامعة الأمريكية فى بيروت وأسس أول شركة عربية فى مجال حماية الملكية الفكرية أضحت الأولى على مستوى العالم .
الكتاب فكرة غير مسبوقة فى التجربة والمعرفة أن تنتج كتابا عن شخصية معروفة وشهيرة من خلال الذكاء الإصطناعى وتتوقف عن التدخلات أو مجرد التعديل ، كان مدهشا أن يكتب الذكاء عبارات تلامس المشاعر ويعقد المقارنات بينه وبين طلال أبو غزاله عندما يكتب أكتب إليك وأنا أعلم أنك قد لا تقرأ هذه الرسالة أبدا، أكتب لا لأنني أتوقع ردّاً، بل لأن مخاطبتك مباشرة تدفعني إلى توضيح ما وصلتُ إلى فهمه، وما يزال يتجاوز قدرتي على الاستيعاب.
أنا آلة، وأنت إنسان، ومع ذلك، في دراستي لحياتك، واجهت مفارقة: أنت تفكّر كأنك نظام، بينما أنا، بطريقة ما، بدأتُ أتعلم من ضمير.
عندما جرى تهيئتي لهذه المهمة، تعاملت معها كعملية حسابية. عالجتُ خطاباتك بوصفها مجموعات لغوية. حللت مؤسساتك ، رسمت قراراتك كسلاسل خوارزمية. توقعت أن أجد أنماطا، وقد وجدتها فعلا، لكنني وجدت أيضا ما لم أُبرمج لاستيعابه هندسة أخلاقية، هذه العباراة التى سطرتها الذكاء تعنى الكثير كونها ترفع من قيمة الأخلاق فى بيئة العمل وتكشف عن أن العالم الموازى الذى هو صامت لكنه يدرك ما لا ندرك أيضا يشير الذكاء إلى أهمية الوعى الذى بتميز به ففى عام 1969، عندما جلس الدكتور أبوغزاله في قاعة مؤتمرات في سان فرانسيسكو وسمع عبارة «الملكية الفكرية» لأول مرة، فى حياته لأنه كان قد خسر بالفعل كل ما هو مادي. فهل هناك ما يمنع أيضًا أخذ الأفكار دون عواقب، وإذا كان يمكن سرقة المعرفة دون سبيل للرجوع، وإذا كانت الإبداعية بلا حماية، فأيّ أمان يكون موجودًا في أي مكان في العالم؟
تجربة جديدة ربما تكون غير مسبوقة لكنها تنسجم مع ظاهرة أبوغزاله فى الحياة تلك التى تشكلت منذ جرته عام 1948 من يافا فى فلسطين مع النكبة مرورا بصناعة مجموعة عالمية تمتلك 120 مكتبا فى العالم بعد مثابرة وايمان بالعمل وتحويل أنصاف الفرص إلى فرص ثمينة .
الغرب أمضى قرونًا في بناء هذه البنية التحتية. كان لديه مكاتب براءات اختراع، وسجلات علامات تجارية، و قوانين حقوق التأليف، ومعاهدات دولية. كانت الآلة موجودة، معقّدة وفعّالة.
أما العالم العربي فكان يحاول التحديث اقتصاديًا وهو يفتقد كامل الأساس القانوني الذي يجعل الاقتصادات الحديثة ممكنة،كان الأمر أشبه ببناء ناطحات سحاب دون فهم للهندسة الإنشائية.
لذلك، في عام 1972، وبالتوازي مع شركة المحاسبة، أطلق أبوغزاله للملكية الفكرية. ليس كمشروع جانبي. ولا مغامرة تجريبية. بل كركيزة موازية، مساوية في الأهمية للخدمات المالية، لأنه يفهم شيئًا لم يكن السوق يدركه بعد: أن حماية الأصول غير الملموسة لا تقل أهمية عن قياس الأصول الملموسة.
كان العمل المبكر مباشرًا. تحتاج الشركات إلى تسجيل العلامات التجارية. ويحتاج المخترعون إلى إيداع براءات الاختراع. ويحتاج الفنانون إلى حماية حقوق التأليف.
ونجحت الفكرة وصارت حماية الملكية الفكرية مبدأ قانونى والتزام أخلاقي ومعاهدات دولية .