عاجل

انطلق السباق نحو الفضاء من جديد، لكن هذه المرة ليس بين قوتين عظيمتين في صراع أيديولوجي كما في الحرب الباردة، بل في مشهد أكثر تعقيداً يجمع بين الدول العريقة في الفضاء مثل الولايات المتحدة وروسيا والصين، ودول صاعدة مثل الهند والإمارات، ولاعبين جدد أقوياء من القطاع الخاص شركات مثل "سيبس إكس" و"بلو أوريجن" و"فيرجن جالاكتيك" هذه المرة، الهدف لم يعد مجرد رفع العلم وزرع البطولة الوطنية، بل أصبح استغلالاً تجارياً وعسكرياً حقيقياً للموارد التي تزخر بها السماء من تعدين الكويكبات لاستخراج المعادن النادرة، إلى إنشاء محطات دائمة على القمر والمريخ، إلى نشر أسربا من الأقمار الصناعية الصغيرة لتوفير إنترنت عالمي، وصولاً إلى نشر أسلحة في الفضاء يمكنها تعطيل أقمار الخصم أو حتى ضرب أهداف على الأرض في خضم هذا الانفجار النشاطي، يقف النظام القانوني الحاكم للفضاء الخارجي، والمتمثل أساساً في "معاهدة الفضاء الخارجي" لعام 1967، كصرح قديم يتصدع تحت وطأة التطورات التكنولوجية والمصالح التجارية والاستراتيجية الجديدة هذه المعاهدة، التي وُضعت في زمن كان الفضاء فيه حكراً على الدول، تنص على مبادئ عامة نبيلة مثل أن الفضاء هو "ميراث للبشرية جمعاء" ولا يمكن لأي دولة أن تضع يدها عليه أو تملكه، وأنه يجب استخدامه للأغراض السلمية لكنها تكتفي بالعموميات، وتترك فراغات قانونية هائلة أمام أسئلة ملحة هل يمكن لشركة أن تملك المعادن التي تستخرجها من كويكب؟ هل يحق لدولة أن تمنع شركة من دولة أخرى من الهبوط بجانب قاعدتها القمرية؟ ما هي قواعد المرور الفضائي لتجنب تصادم عشرات الآلاف من الأقمار الصناعية؟ وكيف نمنع تحويل الفضاء إلى ساحة حرب جديدة؟
هذا الفراغ التشريعي دفع الدول إلى التحرك بشكل أحادي، ففي عام 2015، أصدرت الولايات المتحدة "قانون الفضاء" الذي يمنح شركاتها الأمريكية الحق في امتلاك الموارد الفضائية التي تستخرجها، متحدية بذلك التفسير التقليدي للمعاهدة الدولية وبعدها، أطلقت الإمارات وأوكرانيا ولوكسمبورغ قوانين مماثلة هذه الخطوات تخلق حقائق على الأرض (وفي الفضاء) قد تفرض نفسها قبل أن يتوصل المجتمع الدولي إلى إجماع الصين وروسيا، من جهتهما، تقدمان مشروع اتفاقية جديدة لدى الأمم المتحدة تهدف إلى منع سباق التسلح في الفضاء، لكن واشنطن تشتبه في أن الهدف الحقيقي هو تقييد قدراتها التفوقية وفي الوقت نفسه، تطور القوى الكبرى قدراتها العسكرية الفضائية بسرعة، من صواريخ مضادة للأقمار الصناعية إلى أقمار تجسس متطورة وأنظمة تشويش، كل ذلك تحت مظلة غامضة من "الاستخدامات السلمية" التي يمكن تفسيرها بشكل مرن.
التحدي الأكبر هو أن إبرام معاهدة دولية جديدة شاملة تبدو مهمة شبه مستحيلة في المناخ الحالي من الشك والتنافس الجيوسياسي لذا، تتجه الجهود نحو "قانون فضائي عرفي" ناشئ من الممارسات والتقارير، و"مبادئ طوعية" مثل تلك التي أعلنتها ناسا للتعاون القمري، والتي وقعتها عدة دول وتلتزم بقواعد مثل الشفافية وحماية مواقع التراث (مثل موقع هبوط أبولو) كما أن "لجنة استخدام الفضاء الخارجي في الأغراض السلمية" التابعة للأمم المتحدة تعمل على وضع خطوط توجيهية للاستدامة الفضائية وتجنب الحطام لكن هذه الآليات غير ملزمة قانوناً، وتفتقر إلى آليات إنفاذ
الفراغ الأكثر خطورة هو في المجال العسكري فمعاهدة الفضاء الخارجي تحظر وضع أسلحة الدمار الشامل في الفضاء، لكنها لا تحظر الأسلحة التقليدية وبالتالي، فإن نشر أشعة ليزر لتعطيل الأقمار، أو "روبوتات الفضاء" التي يمكنها التقاط أو تخريب أقمار أخرى، هي أمور في منطقة رمادية قانونية في عالم يعتمد بشكل كلي على الأقمار الصناعية للملاحة والاتصالات والمراقبة والأعمال المصرفية، فإن تدمير هذه البنية التحتية في حرب فضائية يعني شلّ الحياة المدنية والعسكرية على الأرض، مما يجعل من تنظيم هذا المجال مسألة أمن قومي عالمي.
مستقبل الفضاء يتجه نحو نموذجين متصارعين نموذج "الغرب المتوحش" حيث تفرض القوى الأقوى وقائع جديدة وتتنافس بحرية قد تؤدي إلى صراعات، ونموذج "التعاون المنظم" الذي يضع قواعد عادلة تسمح للجميع بالاستفادة من الفضاء بشكل مستدام وسلمي الخيار الثاني يتطلب إرادة سياسية نادرة وابتكاراً قانونياً جريئاً ربما نحتاج إلى اتفاقيات قطاعية معاهدة لتعدين الكويكبات، ومدونة لقواعد المرور الفضائي، ومعاهدة جديدة لتنظيم النشاط العسكري الفضاء هو البيئة المشتركة الأخيرة للبشرية، وتركه فوضى بدون قانون ليس خياراً القوانين التي نضعها اليوم ستحدد ما إذا كان الفضاء سيكون مصدر ازدهار جديد للبشرية، أم ساحة جديدة للصراع والدمار الساعة تدق، والصواريخ قد انطلقت بالفعل.

تم نسخ الرابط