عاجل

الدكتور عبدالسلام عاطف: الطبيب البيطري ضابط الأمن القومي الغذائي.. حوار

الدكتور عبدالسلام
الدكتور عبدالسلام عاطف

في ظل التحديات المتزايدة التي تواجه منظومة الصحة العامة والأمن الغذائي، لم يعد دور الطب البيطري يقتصر على رعاية الحيوان فقط، بل أصبح أحد الأعمدة الرئيسية لحماية صحة الإنسان والحفاظ على الاقتصاد القومي، وخاصة مع انتشار الأوبئة وتنامي مخاطر الأمراض المشتركة، وزيادة حركة الاستيراد والتصدير، وارتفاع معدلات استهلاك المنتجات الحيوانية، تبرز الحاجة الملحة إلى كيان مؤسسي قوي يمتلك الاستقلالية والصلاحيات والموارد اللازمة لإدارة هذا الملف الحيوي بكفاءة وسرعة. 

ومن هنا، يطرح ملف إنشاء هيئة بيطرية مستقلة كخطوة إصلاحية ضرورية، تهدف إلى توحيد القرار، وتسريع الاستجابة للأزمات، وتمكين الطبيب البيطري من أداء دوره كحارس للأمن الغذائي والصحي، بما يتماشى مع المعايير الدولية ومفهوم “الصحة الواحدة”، ويضمن في النهاية غذاءً آمنًا لملايين المواطنين واستدامة للثروة الحيوانية في الدولة، لذا قمنا بإجراء حوارًا مع الدكتور عبدالسلام عاطف، أستاذ الرقابة الصحية على اللحوم ومنتجاتها بكلية الطب البيطري – جامعة القاهرة، وإلى نص الحوار:

س: في البداية.. هل نحتاج فعلًا إلى إنشاء هيئة بيطرية مستقلة؟

نعم، وبشكل حاسم، ومن واقع خبرتي الأكاديمية والعملية، أقدر أقول إن الفرق بين الوضع الحالي وبين الهيئة البيطرية المستقلة المأمولة، هو الفرق بين “إدارة تسيير الأعمال” و“إدارة التغيير وصناعة القرار”، إحنا محتاجين ننتقل من مجرد إدارة يوم بيوم إلى كيان قادر على اتخاذ قرار سيادي سريع وقت الأزمات.

ما المشكلة الأساسية في الوضع الحالي للهيئة العامة للخدمات البيطرية؟

ج: المشكلة مش في الأطباء ولا القيادات، المشكلة تكمن في الهيكل، الهيئة الحالية جهة تابعة لوزارة الزراعة، وده معناه إن أي قرار مصيري، زي إعلان حالة طوارئ وبائية أو استيراد لقاحات عاجلة، لازم يمر بسلسلة طويلة من الإجراءات والدورات المستندية، الروتين ده بطبيعته بيبطّأ الاستجابة، حتى لو النية موجودة والكفاءة موجودة.

ما الذي ستغيره الهيئة البيطرية المستقلة؟

الهيئة المستقلة هتتبع مباشرة رئاسة مجلس الوزراء، زي هيئة الدواء أو هيئة سلامة الغذاء، رئيسها بدرجة وزير، وقراره الفني نافذ فورًا، وده بيوفر سرعة القرار، ووحدة القيادة، والتواجد الحقيقي في غرفة عمليات الدولة بدون وسطاء. في الأوبئة، الزمن هو الفارق بين السيطرة والانفجار.

ماذا عن الموازنة والتمويل؟

دي نقطة محورية حاليًا موازنة الخدمات البيطرية جزء من موازنة وزارة الزراعة، ودايمًا بنسمع “مفيش اعتماد” أو “استنوا السنة المالية الجديدة”، النتيجة إن الطبيب في الوحدة بيشتغل بإمكانيات شبه معدومة.

الهيئة المستقلة لازم يكون لها موازنة مستقلة، تقدر تطور معاملها، وتوفر لقاحات وأدوات، وتصرف حوافز وبدلات مخاطر حقيقية للأطباء، بدون ما تقف في طابور الروتين.

هل هناك مشكلة في الصلاحيات؟

بشكل كبير، الطبيب البيطري حاليًا واقع تحت تشابك صلاحيات بين الوزارات مثل وزارة التنمية المحلية والتموين والزراعة والمحافظات، ده بيخليه موظف إداري أكتر منه فني رقابي، كما أن الهيئة المستقلة لازم تملك ضبطية قضائية كاملة ونافذة، المفتش لما ينزل، قراره يكون حاسم، سواء على مزرعة أو مجزر أو مصنع أعلاف، ومحمي بقانون خاص يمنع أي تدخلات أو وساطات.

البعض يرى أن وجود الطب البيطري تحت مظلة الزراعة أمر طبيعي، ما رأيك؟

هنا بيتخلق تضارب مصالح وزارة الزراعة هدفها الأساسي الإنتاج، بينما الطب البيطري هدفه الوقاية والحماية، أحيانًا الإجراءات الصحية الصارمة بتعطل الإنتاج مؤقتًا، وده بيعمل ضغط داخلي.

الحل الصح هو الفصل الكامل: الزراعة للإنتاج، والهيئة البيطرية للرقابة والحماية والحجر الصحي. ده أساس الجودة وضمان السلامة في أي دولة محترمة.

س: هل المطالبة بهيئة مستقلة انتقاد للقيادات الحالية؟

على العكس تمامًا القيادات الحالية بتعمل اللي تقدر عليه في ظل إمكانيات محدودة وهيكل إداري قديم، إحنا مش بنهاجم أشخاص، إحنا بنطالب بتحديث “نظام التشغيل” للصحة الحيوانية في مصر، بما يواكب المعايير الدولية ويحمي الطبيب والمواطن والاقتصاد.

كيف تصف الدور الحقيقي للطبيب البيطري داخل الدولة؟

بعيدًا عن أي شعارات، الطبيب البيطري هو “ضابط الأمن القومي الغذائي والصحي”، ودوره ده بيتلخص في أربع مهام رئيسية:

حارس البوابة في المحاجر والموانئ، يمنع دخول أوبئة أو لحوم فاسدة ممكن تدمر الاقتصاد.

وكيل النيابة الصحية داخل المجازر والتفتيش، وقراره بإعدام الذبيحة غير الصالحة هو دفاع مباشر عن صحة المواطن.

خط الدفاع الأول ضد الأمراض المشتركة زي السعار والبروسيلا وإنفلونزا الطيور، وفق مفهوم “صحة واحدة – One Health”.

مستشار اقتصادي للمربي والفلاح، يحافظ على الثروة الحيوانية ويرفع الإنتاج.

هل يحتاج الطبيب البيطري لصلاحيات أوسع؟

بكل تأكيد، الصلاحيات الحالية منقوصة، الطبيب محتاج، لغلق إداري فوري للمنشآت المهددة للصحة العامة، وسلطة حقيقية لمواجهة الدخلاء على المهنة وتجار الوهم، وتحصين قراره الفني، خاصة في المجازر، من أي ضغوط أو تهديدات.

وماذا عن الحماية؟

الحماية الحالية شبه معدومة. نحتاج إلى حماية أمنية حقيقية أثناء الحملات، وبدل مخاطر وعدوى عادل يليق بالتعامل مع أمراض قاتلة، وحماية قانونية من القضايا الكيدية طالما الطبيب يطبق القانون.

على أرض الواقع.. ما الذي يحتاجه الطبيب البيطري ليؤدي عمله؟

ببساطة، نحتاج إلى بيئة عمل آدمية، وحدات مؤهلة، أدوات تشخيص حديثة، وسائل انتقال محترمة، وأجر عادل. الطبيب البيطري هو أكثر طبيب مظلوم ماديًا، ومع ذلك مطلوب منه يكون خط الدفاع الأول. بدون كادر عادل، مش هنعرف نطلب منه المعجزة.

تم نسخ الرابط