عاجل

عندما انطلق فيروس مجهول من مدينة ووهان الصينية ليسري في عروق العولمة، محوِّلاً الطائرات والسفن إلى نواقل للوباء، لم يكتفِ العالم بمواجهة أزمة صحية هائلة، بل استفاق على هاجس مريع كان مقصوراً على أفلام الخيال العلمي وروايات الجاسوسية هاجس الحرب البيولوجية والجرائم البيولوجية في عصر أصبحت فيه التقنيات الحيوية متاحة على نطاق غير مسبوق فجأة، أصبحت النظريات التي تتحدث عن تسريب فيروس من مختبر، سواء عن قصد أو عن غير قصد، جزءاً من الخطاب العام والسياسي الدولي، وارتفعت أصوات تتساءل ماذا لو كان هذا الفيروس سلاحاً بيولوجياً؟ ماذا لو استُخدمت الهندسة الوراثية لتطوير فيروس أكثر فتكاً أو عدوى؟ وكيف يمكن للمجتمع الدولي أن يمنع تحول علوم الحياة، التي من المفترض أن تشفي الأمراض وتطيل العمر، إلى أدوات للدمار والابتزاز؟ هذه الأسئلة المخيفة تضع العالم أمام اختبار صارخ هل الاتفاقيات الدولية القائمة، وعلى رأسها "اتفاقية حظر الأسلحة البيولوجية"  التي دخلت حيز التنفيذ عام 1975، كافية لمواجهة التحديات الحديثة، أم أن جائحة كورونا كشفت عن ثغرات خطيرة تتطلب اتفاقية جديدة أو إطاراً قانونياً مُحْكَما.
تعد اتفاقية حظر الأسلحة البيولوجية واحدة من أقدم معاهدات نزع السلاح، وهي تحظر تطوير وإنتاج وتخزين الأسلحة البيولوجية والسامة، وتطالب الدول الأطراف بتدمير مخزوناتها لكن نقاط ضعفها الهيكلية كانت معروفة حتى قبل الوباء فهي تفتقر إلى آلية تفتيش وتنفيذ قوية، على عكس نظيرتها الكيميائية (اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية). فبينما يمكن تتبع المواد الكيميائية السامة عبر سلاسل الإمداد وفحص المنشآت، فإن النشاط البيولوجي خطير التطبيع أي أنه يمكن استخدامه لأغراض سلمية وعدائية  ويحدث غالباً في مختبرات طبية وبحثية مشروعة، مما يجعل الرقابة الصارمة مستحيلة عملياً دون خنق التقدم العلمي الأهم من ذلك، أن الاتفاقية تركز على "الأسلحة" بشكل تقليدي، أي على الاستخدام المتعمد للعوامل البيولوجية كأداة حرب بين الدول لكن عالم التهديدات البيولوجية المعاصر أصبح أوسع وأكثر غموضاً فهو يشمل التسريع العرضي للفيروسات من المختبرات (ما يسمى "تسرب المختبر")، واستخدام أدوات التحرير الجيني مثل كريسبر كاس-9 لخلق مسببات أمراض خطيرة من قبل جهات غير حكومية أو علماء منعزلين، وحتى "الإرهاب البيولوجي" الذي قد تستخدمه جماعات أو حتى أفراد ان جائحة كورونا، بغض النظر عن أصلها، سلطت الضوء على كيف يمكن لعامل بيولوجي واحد أن يشل الكوكب بأسره، وأن التكلفة الاقتصادية والبشرية لحدث بيولوجي كارثي، سواء كان طبيعياً أو متعمداً أو ناتجاً عن حادث، هي تكلفة وجودية.
لذلك، يرى دعاة الاتفاقية الجديدة أن العالم بحاجة إلى "نظام أمن بيولوجي عالمي" أكثر شمولاً، مبني على عدة أركان أولاً: تعزيز الشفافية والثقة فيما يتعلق بالأبحاث عالية الخطورة التي تهدف إلى جعل الفيروسات أكثر عدوى أو فتكاً لفهمها، وهي أبحاث مثيرة للجدل للغاية يتطلب هذا إلزاماً دولياً بالإبلاغ عن مثل هذه الأنشطة ومراجعتها من قبل هيئات دولية مستقلة ثانياً: وضع معايير عالمية صارمة لأمن المختبرات الحيوية وأمنها البيولوجي في جميع الدول، مع توفير التمويل والتقنيات للدول النامية لرفع مستوى مختبراتها ومنع التسريبات العرضية أو السرقة ثالثاً: تطوير آلية تحقق وتفتيش دولية سريعة وفعالة، ربما تحت مظلة منظمة الصحة العالمية بالتنسيق مع الأمم المتحدة، يمكنها التحقيق في تفشي الأمراض المشبوهة دون انتظار موافقة الدولة المعنية، وهو أمر بالغ الحساسية سياسياً رابعاً: تجريم استخدام العوامل البيولوجية كأسلحة من قبل الجهات غير الحكومية وتعزيز التعاون بين أجهزة إنفاذ القانون لملاحقة هذه الجرائم عبر الحدود، في إطار يشبه التعاون في مكافحة الإرهاب النووي.
المعارضون لفكرة اتفاقية جديدة، وخاصة الدول الكبرى التي لديها برامج أبحاث بيولوجية متقدمة مثل الولايات المتحدة والصين وروسيا، يجادلون بأن الصعوبات العملية والسياسية هائلة ففرض رقابة دولية على المختبرات الوطنية يعتبر انتهاكاً للسيادة، وتعريف "البحث الخطير" غامض وقد يعيق الابتكار العلمي الحيوي، كما أن إنشاء آلية تفتيش قوية سيواجه مقاومة شديدة وبدلاً من ذلك، يدعون إلى تعزيز اتفاقية الأسلحة البيولوجية الحالية من خلال بروتوكولات ملزمة وبناء الثقة عبر الشفافية الطوعية.
الحقيقة التي كشفتها الجائحة هي أن التهديد البيولوجي، بغض النظر عن مصدره، هو تهديد مشترك لا يحترم الحدود الخطر الحقيقي ليس فقط في قنابل جرثومية سرية، بل في غرفة مختبر غير آمنة، أو في عالِم طموح يبيع معرفته في السوق السوداء، أو في سباق تسلح بيولوجي خفي بين القوى العظمى هل يحتاج العالم إلى اتفاقية جديدة؟ الإجابة هي نعم، إذا أردنا نظاماً استبقيا قادراً على منع الكارثة القادمة، التي قد تكون أسوأ بكثير من كوفيد-19 ولكن هذا يتطلب مستوى غير مسبوق من التعاون العالمي والتخلي عن أسرار الدولة لصالح الأمن البشري الجماعي، وهو اختبار صعب للإرادة الدولية في عالم يزداد انقساماً بدون هذا التعاون، قد نكتشف أن الجائحة القادمة لن تكون حادثاً طبيعياً، بل جريمة يمكن تفاديها، وأننا كنا نملك المعرفة لمنعها، لكننا افتقدنا الإرادة السياسية والقانونية.

تم نسخ الرابط