عاجل

في مشهد وطني بالغ الدلالة شهدته العاصمة الإدارية الجديدة في السادس من يناير تجاوز كونه احتفالا دينيا إلى كونه رسالة سياسية وإنسانية عميقة، حين حرص الرئيس عبد الفتاح السيسي على استمرار مشاركة الأقباط احتفالاتهم بعيد الميلاد المجيد داخل كاتدرائية “ في نهج راسخ تتبناه الدولة المصرية منذ سنوات، يؤكد أن الوحدة الوطنية ليست شعارا يرفع، بل ممارسة حقيقية تتجسد في المواقف والقرارات.

منذ عام 2014، اعتاد المصريون أن يروا رئيسهم بين أبنائه الأقباط في هذه المناسبة، وهو ما أسس لحالة من الطمأنينة المجتمعية، و رسخ شعورا بأن الدولة حاضرة مع كل مكوناتها، دون تمييز أو استثناء و هذا الاستمرار يحمل في طياته رسالة مهمة مفادها أن الدولة المصرية الحديثة تبني شرعيتها على الشراكة الوطنية الكاملة، وعلى الاعتراف بالتنوع بوصفه مصدر قوة لا سبب خلاف.

كلمة الرئيس السيسي داخل الكاتدرائية حملت عدة وصايا ورسائل محورية، يمكن قراءتها في إطار رؤية شاملة لإدارة الدولة والمجتمع ، تتمثل الرسالة الأولى في التأكيد على قيمة المحبة كقاعدة صلبة للعلاقة بين أبناء الوطن ، والمحبة، كما بدا واضحا في الخطاب، ليست مجرد قيمة أخلاقية أو دينية، بل ضرورة وطنية في ظل عالم مضطرب وتحديات إقليمية متلاحقة، الرئيس هنا أعاد التذكير بأن تماسك الداخل هو خط الدفاع الأول عن استقرار الدولة، وأن قوة مصر الحقيقية تنبع من وحدة نسيجها الاجتماعي.

أما الرسالة الثانية، فجاءت واضحة في الحديث عن المواطنة المتساوية فقد أكد الرئيس أن المصريين جميعا، مسلمين ومسيحيين، شركاء في هذا الوطن، تجمعهم الحقوق ذاتها و تلزمهم الواجبات نفسها، هذه الرسالة، في توقيت بالغ الحساسية، تعكس وعيا سياسيا عميقا بأهمية ترسيخ دولة القانون والمؤسسات، حيث يكون الانتماء للوطن فوق أي اعتبار آخر وهي رسالة لا تخاطب الداخل فقط، بل تمتد للخارج، لتؤكد أن مصر دولة مدنية حديثة تحترم التعدد وتدير اختلافاتها بالحكمة والعقل.

الرسالة الثالثة التي يمكن استخلاصها من كلمة الرئيس، تتعلق بـ الوحدة في مواجهة التحديات خاصة في ظل ما تشهده المنطقة من صراعات واضطرابات، وجاء الخطاب ليؤكد أن مصر قادرة على الصمود طالما ظل شعبها متماسكا، و هذا الربط بين الاستقرار الداخلي والأمن القومي يعكس رؤية استراتيجية ترى أن حماية الدولة لا تبدأ من الحدود فقط، بل من وعي المواطنين، وثقتهم في دولتهم، وقدرتهم على تجاوز محاولات الفرقة أو التشكيك.

ومن المهم التوقف عند البعد الرمزي لزيارة الكاتدرائية ذاتها، فوجود الرئيس داخل هذا الصرح الديني الكبير، في العاصمة الإدارية لتكون رمزا للجمهورية الجديدة، يحمل دلالة سياسية عميقة و يعكس دولة لا تخشى التنوع، ولا تتعامل مع الدين باعتباره أداة صراع، بل كجزء أصيل من الهوية الوطنية الجامعة كما يؤكد أن مشروع الجمهورية الجديدة لا يقتصر على العمران والبنية التحتية، بل يمتد ليشمل بناء الإنسان وتعزيز قيم التعايش والاحترام المتبادل.

اللافت أيضا أن خطاب الرئيس لم يكن موجها لفئة بعينها، بل جاء شاملا يخاطب كل المصريين، و يضعهم أمام مسؤولية مشتركة في الحفاظ على هذا الوطن والتأكيد على أن الوحدة الوطنية ليست مسؤولية الدولة وحدها، بل هي مشروع مجتمعي يتطلب وعيا، ومشاركة، وإدراكا بأن الاختلاف لا يعني الانقسام، وأن التنوع يمكن أن يكون مصدر ثراء وقوة.

وفي هذا السياق، يمكن القول إن زيارة الرئيس السيسي للكاتدرائية، وما حملته من رسائل ووصايا، تمثل نموذجا لما يمكن أن يكون عليه الخطاب السياسي الرشيد، الذي يجمع بين الرمزية والواقعية، وبين القيم الإنسانية والرؤية الاستراتيجية، هي رسالة طمأنة للمواطن، ودعوة صادقة للتماسك، وتأكيد على أن الدولة المصرية ماضية في طريقها بثبات، مستندة إلى شعب واعٍ ومتماسك.

لم يكن مشهد الرئيس داخل كاتدرائية “ميلاد المسيح” مجرد صورة عابرة، بل لحظة سياسية وإنسانية مكتملة الأركان، تعكس إيمان القيادة بأن قوة مصر في وحدتها، وأن المحبة ليست فقط قيمة أخلاقية، بل ركيزة أساسية لبقاء الوطن واستقراره، وستظل هذه الرسائل، بما تحمله من معان ودلالات، علامة مضيئة في مسار بناء دولة حديثة، قوية بشعبها، و متحدة بقيمها .

تم نسخ الرابط