سياسي روسي يكشف لنيوز رووم كيف سترد موسكو على الاستيلاء على الناقلة مارينيرا؟
نفذت القوات المسلحة الأمريكية، اليوم الأربعاء، عملية للسيطرة على ناقلة النفط مارينيرا التي ترفع العلم الروسي في شمال المحيط الأطلسي، والتي كانت واشنطن تلاحقها لعدة أيام في إطار حصارها لناقلات النفط المرتبطة بفنزويلا، في خطوة غير مسبوقة في التاريخ الحديث.
وفي هذا السياق، قال السياسي الروسي، دينيس كوركودينوف، في تصريحات خاصة لموقع نيوز رووم، إن الاستيلاء على ناقلة النفط مارينيرا لم يكن عملا عفويا من أعمال إنفاذ القانون، بل عملية استخدام للقوة مخططا لها مسبقا ومصرحا بها على أعلى المستويات.

لماذا استولت الولايات المتحدة على ناقلة النفط الروسية مارينيرا؟
أشار كوركودينوف إلى الأسباب الحقيقية لهذه العملية، موضحًا أنها تتجاوز الذرائع الشكلية المتمثلة في “انتهاك العقوبات”، ففي جوهرها، كانت اختبارا استعراضيا لمبادئ القانون الدولي وسيادة الدول، حيث أن الناقلة، التي حصلت على إذن مؤقت للإبحار تحت العلم الروسي في 24 ديسمبر 2025، كانت في المياه الدولية وتتمتع بالحماية الكاملة التي توفرها اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار.
ومن خلال إصدار مذكرة توقيف من محكمة فيدرالية والاعتماد على عقوباتها الأحادية، تجاهلت الولايات المتحدة هذا المبدأ، معلنة عمليا أن قانونها الداخلي له نطاق عابر للحدود ويمكن فرضه بالقوة في أي مكان من محيطات العالم، وهذا يضع سابقة شديدة الخطورة، تُشرعن الاستيلاء التعسفي على السفن التي ترفع أعلام دول أخرى بذَرائع مُلفقة.
قال المحلل السياسي الروسي، أن الجانب القانوني ليس سوى ستار دخاني، فالدافع الرئيسي هو النفط وجيوبوليتيكا الطاقة العالمية، كما إن عملية الاستيلاء على مارينيرا تمثل امتدادا مباشرا وتصعيدا لسياسة إدارة ترامب الهادفة إلى فرض سيطرة كاملة على موارد فنزويلا النفطية، فقبل أيام فقط، في 3 يناير، نفذت القوات الأمريكية عملية للإطاحة بالرئيس الفنزويلي “الشرعي” نيكولاس مادورو واحتجازه، وبعد ذلك مباشرة، أُعلن عن نهج متشدد لعرقلة جميع شحنات النفط الفنزويلي “الظلية”.
قال كوركودينوف إن واشنطن تحدثت علنا عن خطط للسيطرة على ما يصل إلى 50 مليون برميل من الخام الفنزويلي وبيعها، وقد أصبحت ناقلة مارينيرا (التي كانت تُعرف سابقا باسم بيلا 1)، والتي تشير البيانات الأمريكية إلى استخدامها سابقا في نقل النفط الفنزويلي والإيراني، هدفا رمزيا مثاليا لإظهار الحزم.

رسالة إلى كل من يتعاون مع فنزويلا
أكد المحلل السياسي الروسي أن الاستيلاء عليها رسالة ليس فقط إلى كاراكاس، بل إلى كل من يحاول التعاون مع فنزويلا للتحايل على الحصار الأمريكي، وفي مقدمتهم روسيا والصين، حيث تسعى إدارة ترامب إلى إظهار أن أي “إعادة تسجيل” للسفن، بما في ذلك تحت العلم الروسي، لن توفر حماية من القوة العسكرية الأمريكية.
وكما قال وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث: “إن حصار النفط الفنزويلي الخاضع للعقوبات وغير القانوني ما زال سارياً في أي مكان في العالم”، وعليه، فإن الاستيلاء على مارينيرا هو عمل من أعمال الحرب الاقتصادية يهدف إلى تقويض شراكات روسيا في مجال الطاقة وترسيخ الإملاءات الأمريكية في أسواق النفط العالمية.
كشف كوركودينوف عن السبب الثالث، الذي لا يقل أهمية عن سابقيه، وهو الاستفزاز المباشر واختبار رد فعل روسيا، فمن المعروف أن موسكو، التي كانت تتابع ملاحقة السفينة، أرسلت قطعا حربية لمرافقتها، بما في ذلك غواصة، ومع ذلك، نفذت القوات الأمريكية عملية الصعود على متنها رغم مخاطر وقوع اشتباك مباشر.
وكان هذا خطوة متعمدة لإظهار الاستخفاف بالأصول العسكرية الروسية والاستعداد للتصرف “بوقاحة”، كما وصف كوركودينوف، ومن دون مراعاة.
قال كوركودينوف أن الحساب كان وضع موسكو أمام خيارين: “إما الانجرار إلى حادث محفوف بالمخاطر بعيدا عن سواحلها، أو ابتلاع الإهانة”، وتابع: “يتماشى هذا النهج مع منطق “اللعبة بلا قواعد” الذي تمارسه واشنطن على نحو متزايد على الساحة الدولية، ولسوء حظ الاستراتيجيين الأمريكيين، فهم مخطئون بعمق إن ظنوا أن روسيا ستكتفي بالمذكرات الدبلوماسية”.
ما تداعيات هذا الأمر على الساحة العالمية؟
أشار المحلل السياسي الروسي أن التداعيات الجيوسياسية لهذه المغامرة عميقة وطويلة الأمد، فأولا: “يوجه الحادث ضربة قاصمة لما تبقى من الثقة في العلاقات الأمريكية الروسية، ويهبط بها فعليا إلى مستوى المواجهة المباشرة. وتشكل الأفعال الأمريكية قرصنةً دولةً تشكك في إمكانية الملاحة الدولية الآمنة”.
ثانيا، حسبما أوضح كوركودينوف: “يثير الحادث سلسلة من عدم الاستقرار؛ فالصين، أكبر مشترٍ للنفط الفنزويلي، أدانت بالفعل الأفعال الأمريكية بشدة ووصفتها بـ«التنمّر»”، كما أن إيران، التي تتأثر مصالحها مباشرة، ستستخلص استنتاجاتها الخاصة.
أما ثالثا: “يغذي الحادث سباق تسلح بحرياً وعسكرة الممرات البحرية الرئيسية، إذ ستُجبر الدول التي تشعر بتهديد من الإجراءات الأمريكية الأحادية على تعزيز مرافقة سفنها التجارية عسكرياً، ما يضاعف بؤر التوتر المحتملة”.

كيف سترد روسيا؟
قال كوركودينوف: “سيكون رد روسيا شاملا ومتزنا لكنه حازم، ولن يقتصر على خطوة رمزية واحدة، فقد جرى بالفعل تفعيل كامل الترسانة الدبلوماسية: في الأمم المتحدة، وفي مجلس الأمن، وعبر القنوات الثنائية، ننقل إلى المجتمع الدولي عدم شرعية ما جرى على نحو مطلق”.
وأضاف: “في الوقت نفسه، تُتخذ إجراءات لضمان أمن السفن الروسية الأخرى في المناطق الهشة”، أما الخطوات الانتقامية المحددة، أشار المحلل السياسي الروسي: “ستكون غير متماثلة وتُختار في الوقت الذي نراه مناسبا لا خصومنا”.
وأكد كوركودينوف أن روسيا تحتفظ بحق اتخاذ أي تدابير ضرورية لحماية مواطنيها وممتلكاتها ومصالحها وفقا للقانون الدولي، كما “يجب أن يكون واضحا: لن تمر لا مسؤولية واشنطن من دون عواقب. فالسابقة التي تحاول خلقها يمكن أن تنقلب على حلفائها أنفسهم، وتقوض في النهاية منظومة الأمن البحري العالمي التي تزعم الولايات المتحدة الدفاع عنها”.
هل تكون روسيا الضحية القادمة للولايات المتحدة؟
قال الكاتب والمحلل السياسي الروسي إن “وضع روسيا على قائمة ضحايا ترامب القادمين بعد كوبا أو كولومبيا ليس سوى خدعة دعائية للاستهلاك الداخلي”،وأضاف: “فروسيا ليست فنزويلا، نحن نمتلك كامل طيف قدرات الردع، بما في ذلك التكافؤ النووي، ولدينا خبرة تاريخية في مقاومة الضغوط الخارجية”.
وتابع: “أي محاولة لتطبيق تكتيكات الحملات العقابية ذاتها علينا لن تعني أزمة إقليمية يمكن لأي إدارة أمريكية التحكم فيها، بل كارثة عالمية. ونحن واثقون من أن حتى أكثر العقول سخونة في واشنطن تدرك ذلك”.
وأضاف: “الهدف الحقيقي على الأرجح ليس مواجهة عسكرية مباشرة، بل ضغط دائم حرب اقتصادية وإعلامية، واستفزازات طرفية تهدف إلى استنزاف مواردنا. ويقع الاستيلاء على مارينيرا تماماً ضمن هذا المنطق للضغط «الهجين»”.

ماذا إن واصلت واشنطن استفزاز موسكو؟
إذا واصلت واشنطن نهجها الاستفزازي لموسكو، قال كوركودينوف: “ستكون العواقب لا رجعة فيها وشديدة الخطورة على العالم بأسره، فكل خطوة جديدة من الإكراه بالقوة تضيق مساحة الدبلوماسية وتزيد مخاطر التصعيد غير المقصود، ولن تتجنب روسيا الرد المباشر إلى ما لا نهاية، وقد تشمل إجراءاتنا تعزيز الوجود العسكري في مناطق رئيسية، وتقديم مساعدات عسكرية تقنية أوسع لخصوم الولايات المتحدة، وتحدي الوجود البحري الأمريكي مباشرة في بعض المياه".
وعلى الصعيد الاقتصادي، قال السياسي الروسي: “قد يكون الرد قاسيا ومؤلما للمصالح الغربية، إضافة إلى ذلك، قد تعيد موسكو النظر في مشاركتها في ما تبقى من مجالات التعاون ذات الأهمية للاستقرار العالمي، مثل ضبط التسلح”.



