أرض الصومال على خط النار.. أهداف إسرائيلية تتجاوز الاعتراف السياسي (تقرير)
بعد زيارة وزير الخارجية الإسرائيلي إلى إقليم أرض الصومال، عاد الجدل مجددًا حول الأهداف الحقيقية لتحركات تل أبيب في القرن الأفريقي، وما الذي تسعى إليه من هذا الإقليم غير المعترف به دوليًا. فالزيارة، التي جاءت في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، لم تكن بروتوكولية بقدر ما حملت رسائل سياسية وأمنية واضحة، تعكس سعي إسرائيل لتعزيز نفوذها في منطقة استراتيجية تطل على واحد من أخطر الممرات الملاحية في العالم.
ماذا تريد إسرائيل من أرض الصومال؟
وبين الحديث عن تعاون أمني واقتصادي، وتكهنات بوجود عسكري واستخباراتي محتمل، تبرز تساؤلات ملحّة: هل تسعى إسرائيل لتحويل أرض الصومال إلى نقطة ارتكاز جديدة في البحر الأحمر وخليج عدن؟ أم أنها خطوة ضمن صراع دولي أوسع على النفوذ في أفريقيا وممرات التجارة العالمية؟، وفي التقرير التالي يجيب لكم موقع نيوز رووم، عن كل هذه الأسئلة:
إقليم أرض الصومال يتمتع بموقع جيوسياسي بالغ الأهمية
فمن جانبه قال اللواء محمد عبد الواحد، الخبير العسكري، إن إقليم أرض الصومال يتمتع بموقع جيوسياسي بالغ الأهمية منذ عقود طويلة، وليس وليد المرحلة الراهنة فقط، موضحًا أن الإقليم خضع للاحتلال البريطاني لأكثر من 128 عامًا، وشهد خلال تلك الفترة إنشاء قواعد عسكرية ولوجستية، خاصة في منطقة بربرة، قبل أن ينال استقلاله عام 1960.
وأوضح عبد الواحد، في تصريحات خاصة لـ نيوز رووم، أن الاتحاد السوفيتي حلّ محل الوجود البريطاني عقب الاستقلال، حيث قام بتطوير الأرصفة البحرية وإنشاء مطار عسكري، وتحويل أرض الصومال إلى قاعدة استراتيجية للاتحاد السوفيتي، لا سيما خلال فترة حكم الرئيس الصومالي الراحل سياد بري، قبل أن ينسحب عقب الحرب الصومالية الإثيوبية، لتتولى الولايات المتحدة لاحقًا إنشاء وجود عسكري لها في بربرة منذ عام 1980 وحتى سقوط نظام سياد بري.
أرض الصومال واحدة من أهم المواقع الاستراتيجية في العالم
وأكد اللواء عبد الواحد أن هذا التسلسل التاريخي يعكس بوضوح أن أرض الصومال تُعد واحدة من أهم المواقع الاستراتيجية في العالم، نظرًا لموقعها المطل على خليج عدن وقربها من الممرات البحرية الدولية، مشيرًا إلى أن اعتراف إسرائيل – كدولة عضو بالأمم المتحدة – بالإقليم يمثل تطورًا بالغ الخطورة، ويفتح الباب أمام ترسيخ وجود إسرائيلي دائم في المنطقة.
وأضاف أن إسرائيل، بدعم أمريكي وغربي محتمل، قد تسعى مستقبلًا إلى إنشاء قاعدة عسكرية في الإقليم، بما يتيح لها السيطرة على خليج عدن، ومراقبة حركة التجارة الدولية والسفن العابرة، إلى جانب متابعة النشاط الإيراني والصيني في المنطقة، في إطار خدمتها المباشرة للمصالح الاستراتيجية الأمريكية.
وحذر الخبير العسكري من أن هذا التواجد الإسرائيلي من شأنه إحداث تغيير جذري في الخريطة الجيوسياسية للبحر الأحمر والقرن الأفريقي، خاصة في ظل احتمالات تشكيل تحالفات إقليمية قد تكون معادية للمصالح المصرية، لافتًا إلى أن قرب أرض الصومال من إثيوبيا ومنابع النيل يفتح المجال لاستخدام هذه التحالفات للضغط على مصر سياسيًا واقتصاديًا.
الأمن الاقتصادي المصري
وأشار إلى أن التهديد لا يقتصر على ملف مياه النيل فقط، بل يمتد ليشمل الأمن الاقتصادي المصري عبر البحر الأحمر وقناة السويس، مؤكدًا أن أي وجود إسرائيلي في هذه المنطقة يمثل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي المصري، خاصة وأن مصر تاريخيًا تولي أهمية قصوى لتأمين جبهتها الجنوبية.
وأوضح اللواء عبد الواحد أن البعد الاقتصادي حاضر بقوة في التحركات الإسرائيلية، حيث يمكن لإسرائيل استخدام أرض الصومال كمدخل لشرق أفريقيا، مرورًا بإثيوبيا، لتسويق منتجاتها الزراعية والتكنولوجية، فضلًا عن تجارة السلاح، مستفيدة من شبكات النقل البرية القائمة بالفعل، مؤكدًا على أن أرض الصومال أصبحت جزءًا من صراع جيوسياسي دولي أوسع، تقوده الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل في مواجهة التمدد الصيني والروسي والإيراني في المنطقة، خاصة في ظل الوجود العسكري الصيني في جيبوتي، معتبرًا أن ما يجري يندرج ضمن صراع السيطرة على الممرات والمضائق البحرية الاستراتيجية، وخنق الطموحات الاقتصادية للصين، وتقليص النفوذ الروسي، ومواجهة الحضور الإيراني في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
الزيارة تحمل دلالات استراتيجية مهمة
قال الدكتور رمضان قرني، الخبير في الشأن الأفريقي، إن زيارة وزير الخارجية الإسرائيلي إلى إقليم أرض الصومال تحمل دلالات استراتيجية مهمة، وتعكس توجهًا إسرائيليًا واضحًا لتعزيز حضورها السياسي والأمني في الإقليم الانفصالي، مستفيدة من موقعه الجغرافي شديد الحساسية على سواحل خليج عدن والبحر الأحمر.
وأوضح قرني، في تصريحات خاصة لـ نيوز رووم، أن الزيارة تأتي في إطار تمسك إسرائيل بتوسيع التعاون الأمني والسياسي مع إقليم أرض الصومال، مع الحديث بشكل علني عن تعاون استخباراتي وعسكري قد يمتد إلى إنشاء منشآت ومنصات دفاعية إسرائيلية، وتأمين الممرات المائية الاستراتيجية في البحر الأحمر، توظيفًا للموقع الحيوي للإقليم الذي يمتد ساحله لنحو 800 كيلومتر على خليج عدن.
وأضاف أن التحرك الإسرائيلي يمثل تدشينًا عمليًا لخطوة الاعتراف بإقليم أرض الصومال، دون اكتراث بالمواقف الإقليمية والدولية الرافضة، وهو ما يتجلى في السعي لتفعيل تعاون استراتيجي يشمل التموضع العسكري داخل الإقليم، في سياق مواجهة جماعة الحوثي، سواء عبر تعزيز المراقبة الاستخباراتية، أو إنشاء قواعد للعمليات المباشرة، أو إحباط الهجمات البحرية وهجمات الطائرات المسيّرة.
وأشار الخبير في الشأن الأفريقي إلى أن الزيارة تمثل أيضًا تمهيدًا لزيارة مرتقبة لرئيس إدارة إقليم أرض الصومال، عبد الرحمن عرو، إلى إسرائيل، بهدف تفعيل الاتفاقيات الثنائية ودفع العلاقات بين الجانبين إلى مستويات أكثر تقدمًا.
إسرائيل تسعى لدعم السياسات الانفصالية لإقليم أرض الصومال
ولفت قرني إلى أن إسرائيل تسعى لدعم السياسات الانفصالية لإقليم أرض الصومال على الصعيدين السياسي والاقتصادي، خاصة في مواجهة الدول الرافضة للاعتراف به، وهو ما يتضح في خطوات مثل رفض التعامل مع التأشيرات الصادرة عن الحكومة الصومالية، وتعليق الرحلات الجوية مع جيبوتي، بما يعمّق عزلة مقديشو ويعزز من واقع الأمر الواقع داخل الإقليم.
وأكد أن تل أبيب توظف الموقع الاستراتيجي لأرض الصومال كبوابة للنفاذ إلى القارة الأفريقية، من خلال الترويج لدور إسرائيلي مزعوم في دعم التنمية بأفريقيا، لا سيما في مجالات الزراعة والطاقة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، إلى جانب التعاون الأمني.
كما أوضح قرني أن إسرائيل تعمل على تسويق سردية سياسية تقوم على تشبيه وضعها بوضع إقليم أرض الصومال، باعتبارهما “أقليتين صغيرتين محاطتين بالعداء”، في محاولة لجذب اعترافات دولية وإقليمية جديدة بالإقليم الانفصالي.
واختتم الخبير في الشأن الأفريقي تصريحاته بالتأكيد على أن إسرائيل تستفيد من التأييد الضمني للموقف الأمريكي داخل مجلس الأمن مؤخرًا، في مواجهة المواقف الرافضة للاعتراف داخل المنظمات الإقليمية والدولية، وعلى رأسها الاتحاد الأفريقي، مع السعي لاستقطاب اعترافات أفريقية محتملة قد تشمل دولًا مثل إثيوبيا وجنوب السودان وكينيا.