تقليص سنوات الدراسة الجامعية.. خبراء يكشفون لـ «نيوز رووم» المكاسب والتحديات
تعود قضية تقليص مدة الدراسة الجامعية إلى دائرة النقاش الأكاديمي في مصر، بعد إعلان جامعة عين شمس مقترحًا بتقليل سنوات الدراسة في بعض الكليات وعلى رأسها كلية التجارة من أربع سنوات إلى ثلاث للطلاب المتفوقين، في خطوة لاقت اهتمامًا واسعًا من المجتمع التربوي والاقتصادي.
تقليص مدة الدراسة الجامعات
يأتي هذا المقترح في ظل سعي المؤسسات التعليمية لإعادة تشكيل منظومة التعليم العالي بما يتوافق مع متطلبات سوق العمل المتغير، ويخفف العبء المالي عن الأسرة، ويعزز من فرص دخول الطالب سوق العمل في وقت أبكر، في محاولة لإعادة التفكير في دور الجامعة ومخرجاتها في الاقتصاد الوطني.
تطوير التعليم الجامعي في مصر
ومع تباين الآراء بين مؤيد يرى فيه تسريعًا لعمليات التأهيل المهني، وبين معارض يخشى التأثير على جودة التعليم، يشكل المقترح خطوة مهمة في مسيرة تطوير التعليم الجامعي في مصر.
وفي التقرير التالي يرصد لكم موقع «نيوز رووم»، أراء الخبراء والمتخصصون في تقليص مدة الدراسة في الجامعات وتأثيرها على الطلاب:
التعليم في جميع دول العالم يُعد أولوية استراتيجية
من حانبه قال الدكتور كمال مغيث، الخبير التربوي، إن قرار تقليص عدد سنوات الدراسة بكلية التجارة من أربع سنوات إلى ثلاث، وتقليل عدد الساعات الدراسية، يعبّر عن إشكالية أعمق تتعلق بعلاقة الدولة بملف التعليم، مشددًا على أن التعليم في جميع دول العالم يُعد أولوية استراتيجية وقاطرة أساسية للتنمية.
وأوضح مغيث، في تصريحات خاصة لـ «نيوز رووم»، أن التعليم هو المصدر الرئيسي لإعداد القوة البشرية المؤهلة للعمل في مختلف المجالات، من الطب والهندسة والمحاسبة والاقتصاد إلى التعليم والمهن المختلفة، مؤكدًا أن أي تقدم حقيقي في مستوى المهن والمهارات يستلزم بالضرورة زيادة ساعات التعلم والتدريب، وليس تقليصها.
وأشار إلى أن تطور سوق العمل، الذي لم يعد ثابتًا أو تقليديًا، فرض ظهور مفاهيم حديثة مثل «التدريب أثناء العمل» و«التدريب أثناء الخدمة»، لافتًا إلى أن المعلم، على سبيل المثال، لم يعد قادرًا على الاكتفاء بالكتاب المدرسي، بل أصبح مطالبًا بتطوير مهاراته باستمرار لمواكبة التكنولوجيا، وهو ما ينطبق على جميع القطاعات المهنية دون استثناء.
زيادة الساعات التعليمية تُعد استثمارًا حقيقيًا
وأكد الخبير التربوي أن زيادة الساعات التعليمية تُعد استثمارًا حقيقيًا، لوجود علاقة مباشرة بين العلم والتدريب المهني من جهة، وزيادة الإنتاجية والعائد الاقتصادي من جهة أخرى، مشددًا على أن تقليص هذه الساعات ينعكس سلبًا على جودة الخريجين وقدرتهم على المنافسة في سوق العمل.
وأضاف مغيث أن المشكلة في مصر تعود إلى غياب خطة اقتصادية شاملة لتنمية القطاعات الإنتاجية، والاعتماد على القروض والريع، ما أدى إلى الفصل بين التعليم والتدريب وسوق العمل، وجعل الدولة تنظر إلى الإنفاق على التعليم باعتباره عبئًا ماليًا لا استثمارًا طويل الأجل.
وأوضح مغيث، أن هذا الواقع دفع صانع القرار إلى تقليص سنوات الدراسة وساعات التعليم والمواد التدريبية، بدعوى تقليل التكلفة، معتبرًا أن هذا التوجه يمثل «إهدارًا متعمدًا للتعليم» وتخريبًا للمنظومة التعليمية وللوطن بشكل عام، خاصة في ظل ارتفاع معدلات البطالة بين الخريجين واضطرارهم للعمل في وظائف لا تتناسب مع مؤهلاتهم العلمية.
وحول إمكانية تعميم القرار على باقي الكليات، أكد الدكتور كمال مغيث أن هذا الأمر يخضع لقرارات المجلس الأعلى للجامعات، مشيرًا إلى أن تحديد عدد الساعات والمقررات الدراسية يجب أن يتم وفق إطار مؤسسي يضمن الحفاظ على الحد الأدنى من الكفاءة العلمية والمهارية للخريجين.
زيادة الزمن التعليمي وليس تقليصه
وشدد على أن القاعدة الأساسية في التعليم، مع ظهور معارف ومهارات جديدة، هي زيادة الزمن التعليمي وليس تقليصه، مؤكدًا أن أي عكس لذلك يمثل تراجعًا خطيرًا عن الدور الحقيقي للتعليم في بناء الإنسان ودعم التنمية الشاملة.
ومن جانبه قال الدكتور مجدي حمزة، الخبير التربوي، إن المقترح المتداول بشأن تقليص مدة الدراسة الجامعية من أربع سنوات إلى ثلاث، كما طُرح مؤخرًا في بعض كليات جامعة عين شمس، ليس جديدًا على الإطلاق، بل يُعد فكرة قديمة مطروحة عالميًا، وكانت مصر من أوائل الدول التي ناقشتها في إطار تطوير التعليم الجامعي.
الاعتماد على نظام الساعات المعتمدة
وأوضح حمزة، في تصريحات خاصة لـ نيوز رووم، أن الاتجاه العالمي حاليًا يسير نحو الاعتماد على نظام الساعات المعتمدة بدلًا من التقيد بعدد سنوات دراسية ثابتة، مشيرًا إلى أن هذا النظام مطبق بالفعل في عدد من الجامعات المصرية، وإن كان بشكل محدود، كما أنه معمول به في معظم دول العالم والدول العربية.
وأضاف الخبير التربوي أن الهدف الأساسي من تقليل سنوات الدراسة لا يتمثل في تقليص المحتوى العلمي أو الإضرار بالقيمة التربوية، وإنما في إعادة تنظيم المناهج وحذف الحشو الزائد الموجود في كثير من البرامج الدراسية، مؤكدًا أن تقليل الزمن لا يعني بالضرورة تقليل المعرفة، بل قد يرفع من كفاءة التحصيل والتركيز لدى الطالب.
تمكين الطالب من الالتحاق بسوق العمل
وأشار حمزة إلى أن هذا المقترح يحمل بعدًا اجتماعيًا واقتصاديًا مهمًا، إذ يسهم في تخفيف الأعباء المالية عن الأسرة المصرية، في ظل ارتفاع تكاليف التعليم، فضلًا عن تمكين الطالب من الالتحاق بسوق العمل في سن مبكرة، وهو ما يتماشى مع متطلبات سوق العمل الحديثة، خاصة في دول الخليج التي تفضل التأهيل السريع المرتبط بالمهارات العملية.
وأكد أن نجاح هذا النظام مرهون بمدى حسن تطبيقه على أرض الواقع، وربطه باحتياجات سوق العمل الفعلية، مشددًا على ضرورة عدم تعميمه على جميع الكليات والتخصصات دون دراسة، خاصة في التخصصات التي تعاني من عجز مثل الطب والهندسة وكليات التربية.
وحول ما يثار بشأن أن الدولة تهدف من هذا المقترح إلى تقليل الإنفاق على التعليم، نفى الدكتور مجدي حمزة ذلك، موضحًا أن تكلفة الطالب الجامعي في مصر أقل بكثير من نظيرتها في دول العالم، وأن المستفيد الحقيقي من تقليص سنوات الدراسة هو الطالب والأسرة، بينما تستفيد الدولة من سرعة دخول الخريجين إلى سوق العمل وزيادة الإنتاجية، مؤكدًا على أن نظام الساعات المعتمدة هو نموذج التعليم الفعّال في المستقبل القريب، متوقعًا أن يشهد انتشارًا واسعًا خلال السنوات الخمس المقبلة، خاصة إذا نجحت التجارب التطبيقية في الجامعات الكبرى، مؤكدًا أن الحكم النهائي على التجربة لن يكون بالتوقعات، وإنما بنتائج التطبيق العملي على أرض الواقع.