عاجل

لقد مرّ ما يقرب من أحد عشر عامًا منذ أن تشرفتُ بلقاء فضيلته للمرة الأولى، وما تزال تلك اللحظة حاضرة في ذاكرتي بكل تفاصيلها، شعور لا يمكن وصفه؛ لن أنسى دقات قلبي المتسارعة حين علمتُ أننا سنلتقي به ليحدثنا عن فكرته التي كانت آنذاك جديدة وواعدة: إنشاء مرصد الأزهر باللغات الأجنبية، انتظرنا قليلًا، ثم دخل فضيلته غرفة الاجتماعات… وفي تلك اللحظة، تحولت دقات القلب المرتقبة إلى سعادة غامرة ممزوجة بالحماس والفخر، ولن أبالغ إن قلت: المحبة. نعم…
فمنذ اللقاء الأول أصبح -وربما كان من البداية- لفضيلته مكانٌ ومكانة في قلبي، مكانةٌ ازدادت مع الأيام، ومع مواقف كثيرة وقفتُ فيها أمامه متعلِّمة، لا موظفة، وتلميذة لا مجرّد مشاركة.
إن حديثي عن الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، لا يأتي باعتباره عالمًا موسوعيًا، أو فقيهًا متبحّرًا، أو مفكرًا مجددًا فحسب، وإنما بوصفه -في جوهره- إنسانًا ارتقى بعلمه، فصار إنسانًا بدرجة عالم. علمه -من وجهة نظري-  ينبع من فهمٍ عميق للدين والتراث، ومن اهتمامٍ صادق بهموم الإنسان وقضاياه، ووعيٍ حقيقي بالواقع المعاصر.
وتواضعه وما أدراكم ما تواضعه ليس مظهريًّا وإنما هو أصيل فيه وجزء منه يسبق كلماته وتلاحظه بسهولة في طريقته في الاستماع قبل الحديث وفي احترامه للاختلاف دون أي تنازل عن الثوابت.
لقد تجلّت إنسانيته قبل أي شيء آخر في مواقفه الشجاعة والواضحة وانحيازه للإنسان، في وقفته الثابتة مع أهل غزة حيث لم تكن القضية عنده أرقامًا أو بيانات، بل دمًا إنسانيًا مظلومًا، وفي نصرته للمسلمين المضطهدين في ميانمار، حين اختار أن يكون صوت الضمير العالمي، لا صوت المصالح الصامتة.
كما شكّلت وثيقة الأخوة الإنسانية علامة فارقة في مسيرته، وخطوة تاريخية أعادت التأكيد على أن الأديان وُجدت لتصون كرامة الإنسان، لا لتكون ذريعة للصراع والكراهية، كانت الوثيقة انعكاسًا حقيقيًا لفكره الذي يمكن وصفه بأنه إسلامٌ منفتح ثابت الجذور واسع الأفق يرى في الإنسان قيمة عليا.
أما حديثه عن تجديد الخطاب الديني فلم يكن شعارًا أو مجاملة عصرية وإنما كان مشروعًا علميًا متينًا متكاملًا، يقوم على فهم النص في سياقه، والتمييز بين الثابت والمتغير، وحماية الدين من الجمود أو التفريط.
أما ثقته في المرأة، فهي جزء أصيل من رؤيته للإنسان والمجتمع، كان -وما يزال- يقدم المرأة، ويثق بها، ويفتح لها المساحات، ويقدر كفاءتها، لا بوصفها استثناءً، بل باعتبارها شريكًا كاملًا في حمل الرسالة، وقد لمستُ ذلك بنفسي، حيث تعددت المواقف التي تجلّى فيها دعمه وبرزت فيها إنسانيته، مواقف كثيرة قد يأتي يوم تُحكى، لا استدعاءً للذكرى، بل تقريبًا لصورة إنسانية عشناها عن قرب، ورأينا فيها شيخًا يحتضن أبناءه وبناته، ويمنحهم المساحة، ويعاملهم شركاء لا تابعين.
وفي عيد ميلاده الثمانين نقف أمام سيرةٍ ممتدة من العلم، والصدق، والإنسانية، نقف أمام رجلٍ اختار أن يكون ضميرًا حيًّا في زمن الالتباس، وصوتَ حقٍّ في عالمٍ يعلو فيه الصخب، وملاذًا أخلاقيًا لكل من آمن أن الدين خُلق ليحفظ الإنسان، لا ليُقصيه.
ثمانون عامًا مرّت، ظلّ فيها الإمام الأكبر أحمد الطيب ثابتًا على مواقفه، مناصرًا للمظلوم، منفتحًا على العالم دون أن يتنازل عن هويته، مجددًا بعلم، وحكيمًا بتواضع، وأبًا قبل أن يكون شيخًا أو إمامًا.
وأنا أكتب عنه اليوم من موقع القرب الإنساني، والامتنان الصادق، والتلميذة التي تعلّمت قبل أن تعمل، والتي رأت في ثقته مسؤولية، وفي دعمه أمانًا، وفي إنسانيته مدرسةً لا تُدرَّس في الكتب، حفظ الله الإمام الأكبر، وأدامه علمًا يُستنار به، وقلبًا يُحتكم إليه، وجعل أثره ممتدًا في العقول والقلوب، كما كان دائمًا…هادئًا، عميقًا، صادقًا، ومُحبًّا، أدام الله نعمة وجودك يا "طيب"!

تم نسخ الرابط