تبدو أمام المحقق الدولي الذي يحاول ملاحقة أثر مجرمي الحرب عبر القارات، خريطة عالمية مفككة لا تعترف فيها الأدلة بالحدود، ولا تقف فيها الإرادات السياسية عند القانون إنها ملاحقة شاقة لجناة يتحصنون وراء جدران سيادة وطنية صلبة، بينما تنتشر أدلتهم كشظايا في أراضي عشرات الدول صورة التقطها جندي في ساحة معركة ونشرها في فيسبوك ، شهادة ناجٍ يعيش في مخيم للاجئين في تركيا، شظايا صاروخ مصنوعة في دولة أوروبية وجدت في أنقاض منزل في بلد عربي، تحويلات بنكية مرت عبر بنوك في سويسرا والإمارات لتوفر تمويلاً لعمليات في سوريا هذه الأدلة المتناثرة عبر العالم هي اليوم واقع أي تحقيق في جرائم الحرب العابرة للحدود، وهو واقع يضع الجهود القانونية الدولية أمام تحديات وجودية تختبر قدرة المجتمع الدولي على تحويل صرخات الضحايا إلى إدانات قضائية.
أول هذه العقبات هو سؤال السيادة والدخول المادي. فمكان وقوع الجريمة، وهو المسرح الأصلي للفظائع، غالباً ما يكون تحت سيطرة نظام سياسي هو نفسه طرف في النزاع أو متورط في الجريمة أو متواطئ مع مرتكبيها كيف يدخل فريق تحقيق دولي إلى سوريا أو ميانمار أو السودان أو أوكرانيا في مناطق سيطرة القوات المرتكبة للانتهاكات؟ الرفض يكون غالباً ، تحت ذريعة "انتهاك السيادة الوطنية" أو "التدخل في الشؤون الداخلية" حتى لو توفرت إرادة سياسية، فإن إرسال محققين دوليين إلى مناطق حرب نشطة يمثل مخاطرة جسيمة بحياتهم، ويتطلب اتفاقيات أمنية معقدة مع قوات قد تكون هي نفسها تحت تحقيق هذا الحصار الجغرافي يجبر التحقيقات على العمل من المنفى، معتمدة على مصادر ثانوية شهادات اللاجئين في دول الجوار، وتحليل الصور الفضائية، ومراجعة المحتوى الرقمي الذي هرب عبر الهواتف المحمولة ووسائل التواصل الاجتماعي كل هذه مصادر ثمينة، لكنها لا تعوض أبداً عن الدليل المادي المباشر، وعن فحص مسرح الجريمة قبل أن تزال الجثث وتُدمر الأدلة.
أما التحدي الثاني، الأكثر تعقيداً، فهو تحدٍ قانوني إجرائي بحت، يتمثل في متاهة "المساعدة القانونية المتبادلة" فجمع دليل موجود على خادم في دولة ما، أو الحصول على سجلات مصرفية من دولة أخرى، أو استجواب شاهد يقيم في دولة ثالثة، يتطلب إرسال "طلب مساعدة قانونية" رسمي عبر القنوات الدبلوماسية أو القضائية هذه العملية أشبه بإدارة بيروقراطية عابرة للمحيطات تُكتب الطلبات بلغة قانونية معقدة، تُترجم، تُرسل عبر وزارات الخارجية، تنتظر في طوابير الأولويات في النيابات العامة الأجنبية، وغالباً ما ترفض أو تتجاهل إذا لم تكن الدول على علاقة جيدة، أو إذا كانت القوانين المحلية تحمي الخصوصية بشكل مفرط، أو ببساطة إذا كانت الدولة المضيفة للأدلة لا ترى مصلحة سياسية في التعاون المجرمون يتحركون بسرعة الضوء في العالم الرقمي، بينما تتحرك طلبات الأدلة بسرعة الحلزون في عالم الأوراق والأختام.
ثم تأتي معضلة "الأدلة الرقمية العابرة للحدود"، التي هي سلاح ذو حدين فمن ناحية، غيّر المحتوى الذي ينشره الجناه والضحايا أنفسهم على منصات مثل تلغرام وتيك توك وأتساب وجه التحقيقات، حيث أصبح بالإمكان تتبع تحركات الوحدات العسكرية بلحظاتها ولكن من ناحية أخرى، فإن هذه المنصات مقرها في دول ثالثة (غالباً الولايات المتحدة)، وتخضع لشروط خدمة وقوانين خصوصية معقدة شركة فيسبوك ليست ملزمة تلقائياً بتسليم بيانات مستخدم في لاهاي، بل تحتاج المحكمة إلى الحصول على أمر قضائي أمريكي، وهي عملية شاقة أخرى بالإضافة إلى ذلك، إثبات صحة هذه المواد الرقمية وربطها بمرتكب معين هو تحدي تقني هائل، خاصة مع تطور تقنيات التزييف العميق والتلاعب بالمحتوى.
الأخطر من كل ذلك هو التحدي السياسي فالمجرمون الدوليون الكبار نادراً ما يكونون لصوصاً منفردين إنهم غالباً قادة سياسيون أو عسكريون يتمتعون بحماية دولة، وغالباً ما تكون هذه الدولة عضوًا في مجلس الأمن أو حليفاً لقوى عظمى التحقيق معهم يصطدم فوراً بحائط المصالح الجيوسياسية وحسابات القوى فالتحقيق قد يعترض طريق صفقة أسلحة أو مفاوضات سلام أو تحالف إقليمي يتم إبطاؤه أو تعطيله ان الملاحقة عبر الحدود تصبح هنا لعبة سياسية بغطاء قانوني، حيث تُستخدم الأدلة كأوراق ضغط، وتُعلّق المحاكمات مقابل تنازلات سياسية.
في خضم هذه العواصف، تظهر محاولات مبتكرة إنشاء "آليات دولية" مستقلة لجمع الأدلة وحفظها، مثل الآلية المعنية بسوريا، أو اللجوء إلى مبدأ "الولاية القضائية العالمية" حيث تقدم دولة ما محاكمة مجرم حرب لمجرد وجوده على أراضيها بغض النظر عن مكان ارتكاب الجريمة أو جنسية الجاني والضحية لكن هذه الآليات تبقى هشة، وتواجه نقصاً في التمويل والصلاحيات السياسية التنفيذية التحقيق عبر الحدود في جرائم الحرب هو سباق ضد الزمن زمن النسيان، وزمن موت الشهود، وزمن تقادم الجرائم في بعض القوانين الوطنية، وزمن تحول النزاعات الساخنة إلى ذكريات باردة تطفئ الحماس الدولي للمحاسبة نجاحه يتطلب أكثر من إرادة قانونية، بل إرادة سياسية جماعية نادرة، وثورة في التعاون القضائي الدولي، وربما الأهم، إعادة تعريف مفهوم السيادة في القرن الحادي والعشرين لتصبح مسؤولية قبل أن تكون حصانة.