«من تطاول عليه فقد كفر».. علي جمعة يعدد مناقب المسيح عيسى ابن مريم
قال الدكتور علي جمعة عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر: عباد الله، سيدنا رسول الله ﷺ كان يتعهد صحابته الكرام والأمة من بعدهم بالموعظة، وكان يتعهدهم برواية القصص، وكان يتعهدهم بتعاليم الشريعة الشريفة، وكان يتعهدهم بتربيتهم على الأخلاق الحميدة، وكان يتعهدهم بمواقفه التي لا تنسى.
المسيح رمز السلام
وتابع: نقلوا كل ذلك إلى الأمة من بعده ﷺ، فكان معلمًا للبشرية، {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}، فرسول الله ﷺ، كان يجلس إلى صحابته، فيتحلقون حوله، وَيُعَلِّم الرواد منهم؛ حتى يُعَلِّمُوا مَنْ بعدهم، وبنى أمته على هذا العلم، فقال: «بلغوا عني ولو آية».
وقال ﷺ: «مَنْ سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا، سَهَّلَ الله له طريقًا إلى الجنة».
ولفت إلى أن رسول الله ﷺ دخل مرةً فوجد حلقتين؛ حلقة تذكر الله، وحلقة يتدارسون شيئًا من العلم، فقال: «هؤلاء على خير، وهؤلاء على خير، وإنما بُعِثْتُ معلمًا». فانضم إلى حلقة العلم.
كان يتعهدهم بالموعظة، ومن الموعظة: ذِكْرُ القصة، وكان يريد أن يعلمنا أن أمة الله سبحانه وتعالى واحدة، من لدن آدم وإلى مبعث رسولنا الكريم، وإلى يوم القيامة، فكان يذكر لنا قصص الماضين؛ لأن أخلاقهم ينبغي أن نتعلم منها أخلاقنا، ولأن شريعتهم في ما اختصوا به تناسبت مع أزمانهم، أما في أخلاقهم فإنها تعبر الزمان والمكان، وتكون في كل الأحوال لجميع الأشخاص.
ولفت خلال خطبة الجمعة بعنوان «المسيح رمز السلام» إلى أن رسول الله ﷺ أشعرنا أننا لسنا في صدامٍ مع العالم، وأننا لسنا في صدامٍ مع أحد، وأننا نفتح قلوبنا وأيدينا للناس من حولنا؛ لأن هؤلاء هم عملاؤنا، هم الذين نعمل عليهم، حتى يهديهم الله سبحانه وتعالى على أيدينا. وكان رسول الله ﷺ يقول: «لئن يهدي الله بك رجلًا واحدًا، خيرٌ لك مِمَّا طلعت عليه الشمس وما غربت».
والتاجر يحافظ على عملائه؛ ولذلك فالمسلم يحافظ على كل الخلق، لأن كل الخلق إنما هم من عملائه الذين يريدُ أن تصل إليهم كلمة الله.
{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ} .
وكان مِمَّا ذكر من قصصٍ كثيرة، فاقت أكثر من خمسين حديثًا، يذكر فيها رسول الله ﷺ قصصَ السابقين؛ حتى نستفيد منها. فيما أخرجه البخاري وأحمد، قال رسول الله ﷺ: «لم يتكلم في المهد إِلَّا ثلاثة: عيسى ابن مريم، ورجلٌ من بني إسرائيل كان يُدْعَى: جُرَيْج».
إذن فالأول: عيسى ابن مريم، لم يقف عنده رسول الله ﷺ كثيرًا؛ لأن قصته مذكورةٌ في القرآن، ذلك الذي كان يوم مولده -عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام- يوم سلام، {وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا} .
وأكمل: هذا اليوم الذي ذُكِرَ في القرآن؛ استبشارًا بكلمة الله، نور الأنوار، وسر الأسرار، سيدنا عيسى الذي اختلف عليه البشر؛ منهم: مَنْ كَذَّب واتهم، ومنهم: مَنْ غالى فعبد، ومنهم: مَنْ عرفَ الحقَّ فآمن.
سيدنا عيسى : حبيب الرحمن، وهو نبيٌّ من أنبيائنا؛ ولذلك فَمَنْ أنكره، أو تطاول عليه فقد كفر، كفر كفرًا ينقله عن الملة، كفر كفرًا لم يبقه بعد ذلك مسلمًا.
سيدنا عيسى: كان مُبَرَّئًا من كل عيبٍ ونقصٍ وشينٍ، لم يفعل شيئًا في حياته إِلَّا وقد رَضِيَ اللهُ عنه.
ولذلك نرى الإمام الغزالي في كتابه «إحياء علوم الدين»: يُكْثِرُ من ذِكْرِ عيسى، ومن ذِكْرِ قصصه، ومن ذِكْرِ أخلاقه، ومن ذِكْرِ مواقفه، برواياتٍ هي من روايات المسلمين، فيعلي من شأنه، ويتعلم منه. أكثر جدًّا في «الإحياء» من ذِكْرِ سيدنا عيسى.
عيسى ابن مريم، نعم، نطق في المهد، والنطق في المهد: معجزة تلفت الأنظار، وترقق القلوب؛ فإن الله أجرى العادة في بني البشر: أَلَّا ينطق الطفل الرضيع في مهده.
وأوضح أنه سبحانه وتعالى لم يجعل النطق من شأن الأطفال، بل جعل النطق من شأن مَنْ يستطيع أن يفكر، وأن يرتب المقدمات للوصول إلى النتائج.
وشدد: لذلك لَمَّا ترجم المسلمون هذا العلم من أرسطو، أسموه بعلم المنطق؛ لأنه علمٌ يحفظ الذهن عن الخطأِ، كما يحفظ النحو اللسانَ عن الخطأِ.





