عاجل

باقٍ 48 يوما

كيف تدرب نفسك على الطاعة استعدادا لرمضان؟.. روشتة شرعية للتهيئة في رجب (خاص)

دكتور أسامة فخري
دكتور أسامة فخري الجندي

يقترب شهر رمضان 1447، ويكثر معه البحث عن كيفية تعويد النفس على الطاعة فيما تبقى من شهر رجب وما هو آت من أيام شهر شعبان، وفي السطور التالية نرصد روشتة شرعية للتهيئة قبل رمضان يوضحها الدكتور أسامة فخري الجندي رئيس الإدارة المركزية لشئون المساجد والقرآن الكريم بوزارة الأوقاف.

شهر رجب… حين تُستأنف الرحلة ويُمهَّد الطريق

يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾، يوضح آيةٌ تؤسس للزمن قيمته، وللأيام حرمتها، وتعلّم الإنسان أن بعض الأزمنة ليست كسائر الأزمنة، وأن بعض البدايات إنما جُعلت رحمةً وفرصةً للمراجعة، لا مجرد مرورٍ للأيام.

ويضيف الدكتور أسامة فخري في تصريحات خاصة لـ «نيوز رووم»: شهر رجب، أحد هذه الأشهر الحُرم، يحمل في طياته معنى التهيئة والاصطفاء؛ تهيئة القلوب قبل رمضان، واصطفاء النفوس لتجديد العهد مع الله. ولذلك كان رسول الله ﷺ يلفت الأنظار إلى ما يغفل عنه الناس، كما في حديث سيدنا أسامة بن زيد رضي الله عنهما، حين قال: «ذلك شهرٌ يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان».

وقد أشار الحافظ ابن حجر إلى أن في ذلك دلالة على خصوصية هذه المرحلة، وأنها محطة إيمانية مهملة عند كثيرين، رغم ما تحمله من معانٍ قريبة من روح رمضان واستعداده، مضيفًا: من هنا، فإن رجب ليس موسم شعارات، بل موسم قيم. ليس شهر مظاهر، بل شهر ضمائر. شهرٌ يُستدعى فيه الإنسان ليقف مع نفسه وقفة صدق، فيُعيد ترتيب علاقته بالله، وبالناس، وبذاته.

وتابع: قد تعلمنا من مشايخنا أن تعظيم الأزمنة يكون بتعظيم الإنسان، وأن أول أبواب القرب إلى الله هو كفّ الأذى، وجبر الخواطر، وإيقاف الخصومات، وبناء جسور الألفة بدل هدمها، وأن نبتعد عن الشجار، وعن الإدانة المتبادلة، وأن نُعلي قيمة التعاون في مواجهة الفرقة، فذلك من صميم الدين القيم الذي أمرنا الله أن نقيمه في الأشهر الحرم.

ثم ينتقل بنا القرآن من قيمة الزمن إلى قيمة العمل، فيفتح لنا نافذة ذوقية على الغيب بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾، لافتًا إلى أنها آية تُبدّل نظرتنا إلى العمل الصالح. فالعمل لا يقف عند حدود اللحظة، ولا ينتهي بانتهاء الفعل، بل يتحوّل إلى رحمةٍ تمشي أمام صاحبها، وكلمة «يَمْهَدُونَ» مأخوذة من المهد، فراش الطفل، الذي لا يهيّئه لنفسه، بل تسبقه إليه يدٌ حانية وقلبٌ رحيم. 

العمل الصالح، يسبق صاحبه إلى الآخرة، ويهيئ له مقامه، ويصنع له راحته، حيث كان الحسن البصري رحمه الله يقول: «مرحبًا بمن جاء يحمل زادي إلى الآخرة بغير أجرة». فكل دمعةٍ صادقة، وكل يدٍ امتدت بالخير، وكل أذى كُفَّ ابتغاء وجه الله، لا يضيع، بل يتحوّل إلى مهدٍ من الطمأنينة في الآخرة.

ثم يأتي وعد الله القاطع الذي يسكب السكينة في القلوب: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ﴾. إنها شهادة أمان إلهية: لا جحود، لا نسيان، لا ضياع.

السعي محفوظ، والعمل مكتوب، والنية مرصودة، حتى الخواطر التي لم يطلع عليها أحد. ﴿وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ﴾… أي بعلمٍ لا يخطئ، وبرحمةٍ تُضاعف.

ثم يكتمل الطريق بوعدٍ آخر لا يقل إشراقًا: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾.

جهادُ الثبات، وجهادُ الاستمرار، وجهادُ مقاومة الفتور واليأس. ومن صدق في هذا الجهاد، تكفّل الله بهدايته، لا إلى الطريق فقط، بل في الطريق، ومعه، وبقربٍ خاص، ومعيةٍ تُسكِّن القلوب.

ويأتي الحديث النبوي الشريف ليضع ميزان السير إلى الله: «أحبُّ الأعمال إلى الله أدومُها وإن قلّ». فالعمل القليل الدائم أحبّ إلى الله من الكثير المنقطع، لأن الدوام دليل صدق، وعلامة محبة، ولسان حال العابد يقول: “ما زلنا على الباب”.

وشدد: هكذا، يصبح شهر رجب بدايةً صادقة، لا بضجيج، بل بثبات. طريقٌ يُمهد، وعملٌ يسبق، وسعيٌ لا يُكفر، وربٌّ لا ينسى.

واختتم بالدعاء: «اللهم وفّقنا لعمل الخير، وخير العمل، واجعل لنا في كل يومٍ مهدًا من صالح ما نقدّم، حتى نلقاك وقد رضيت، وكتبتنا في ديوان المحسنين».

تم نسخ الرابط