كاترين فرج الله لـ نيوز رووم: اليمن يقف في مفترق طرق إما الوحدة أو التفتيت
أكدت الدكتورة كاترين فرج الله الكاتب والباحثة السياسية أن فهم ما يجري في جنوب اليمن لا يمكن أن يتم بمعزل عن الجذور التاريخية للصراع اليمني، موضحة أن اليمن لم يكن دولة موحدة بصيغته الحالية إلا منذ عام 1990، حيث كان الجنوب دولة مستقلة ذات نظام سياسي مختلف، إلى أن اندلعت حرب عام 1994، والتي خلفت مظالم جنوبية عميقة ما زالت تلقي بظلالها على المشهد السياسي والأمني حتى اليوم.
وأشارت الدكتورة كاترين فرج الله في تصريح خاص لموقع نيوز رووم، إلى أن الواقع اليمني الراهن يقوم على ثلاثة مستويات متداخلة من الصراع:
صراع بين الشمال والجنوب
صراع داخلي داخل الجنوب نفسه
صراع إقليمي يتقاطع مع الصراع المحلي.
ولفتت فرج الله إلى أن الصراع بين الشمال والجنوب ليس وليد الحرب الحالية، بل هو صراع قديم على السلطة والثروة، حيث يشعر الجنوبيون بأنهم تعرضوا للتهميش السياسي والاقتصادي منذ إعلان الوحدة، ومع اندلاع الحرب ضد جماعة الحوثي عام 2015 أُعيد فتح هذا الملف بقوة.
وتابعت أن جماعة الحوثي تسيطر في الشمال على صنعاء وأجزاء واسعة من البلاد، وتفرض مشروعًا سياسيًا وأيديولوجيًا خاصًا بها، بينما برزت في الجنوب قوى محلية، أبرزها المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي يطالب بتمثيل سياسي للجنوب، بل ويطرح خيار الانفصال. ونتج عن ذلك واقع من الانقسام الجغرافي والسياسي، حيث بات اليمن عمليًا مقسمًا إلى مناطق نفوذ في ظل غياب دولة مركزية قادرة على إدارة البلاد.
وقالت الدكتورة كاترين إن جنوب اليمن يشهد حالة واضحة من الهشاشة الأمنية والسياسية، في ظل وجود حكومة شرعية معترف بها دوليًا لكنها محدودة النفوذ، إلى جانب قوى جنوبية مسلحة تسيطر فعليًا على الأرض، فضلًا عن وضع اقتصادي متدهور وانهيار للخدمات الأساسية، ما يغذي الغضب الشعبي.
وأردفت أن الصراع في الجنوب لم يعد مقتصرًا على البعد الشمالي الجنوبي، بل تحول إلى صراع داخلي جنوبي على النفوذ والموانئ والموارد.
دور الامارات في الساحة اليمنية
وأوضحت أن أبوظبي لعبت دورًا محوريًا في المرحلة الأولى من الحرب، خاصة في مكافحة الجماعات المتطرفة وتأمين الموانئ الجنوبية، ودعمت قوى محلية تمكنت من فرض سيطرة أمنية في بعض المناطق. إلا أنه مع تعقد المشهد، أعلنت الإمارات تقليص وجودها العسكري المباشر، مع تركيز أكبر على حماية مصالحها الاستراتيجية في الممرات البحرية.
دور السعودية
أما الدور السعودي، فأكدت أنه يظل الأبرز في الملف اليمني، نظرًا لأن اليمن يمثل عمقًا استراتيجيًا للأمن القومي السعودي، وتسعى الرياض إلى منع تهديد حدودها الجنوبية، وإنهاء نفوذ الحوثيين، والحفاظ على وحدة اليمن واستقراره.
وفي هذا السياق، قادت السعودية جهودًا سياسية مكثفة، من بينها اتفاق الرياض بين الحكومة الشرعية والمجلس الانتقالي الجنوبي، ودعم مسار المفاوضات مع الحوثيين، وفتح قنوات تهدئة إقليمية.
وشددت على أن السعودية تدرك أن استمرار الصراع في الجنوب يضعف أي تسوية شاملة، ولذلك تعمل على احتواء الخلافات الجنوبية الجنوبية دون اللجوء إلى الحسم العسكري.
واعتبرت أن دور كل من السعودية والإمارات ينطلق من هدف الحفاظ على الأمن العربي وسيادة ووحدة اليمن، تفاديًا لانزلاق البلاد إلى سيناريوهات صدام داخلي شبيه بما يحدث في دول أخرى.
وأشارت إلى أن السعودية تركز على الحل السياسي الشامل، بينما ركزت الإمارات على الجانب الأمني ومكافحة الإرهاب وبناء قوى محلية، مؤكدة أن الطرفين يدركان أن أي خلاف مفتوح بينهما سيؤدي إلى إطالة أمد الحرب ومنح الحوثيين فرصًا أكبر لتعزيز نفوذهم.
ورأت الدكتورة كاترين أن فشل الدولة المركزية، وضعف مؤسساتها، وغياب العدالة في توزيع الموارد، خاصة النفط والموانئ، عزز النزعة الانفصالية في الجنوب، وفتح المجال أمام قوى محلية مسلحة لملء الفراغ، إلى جانب تأثير الحرب مع الحوثيين، التي أضعفت الحكومة الشرعية منذ سيطرة الحوثيين على صنعاء عام 2014، ودفعت الجنوب لإعادة طرح قضية الاستقلال باعتبارها وسيلة لحماية مصالحه.
وأكدت أن تضارب الأجندات الإقليمية حوّل الجنوب إلى ساحة لتقاطع المصالح، في ظل وجود تشكيلات عسكرية متعددة الولاءات، ما عمّق الانقسام بين الشمال والجنوب، وحتى داخل الجنوب نفسه.
كما لفتت إلى أن العامل الاقتصادي والإنساني، من تدهور الأوضاع المعيشية وانهيار العملة وانقطاع الخدمات، جعل الصراع أكثر حدة، حيث يسعى كل طرف للسيطرة على الموارد المحدودة.
وأوضحت أن التصعيد الحالي يرتبط بعدة عوامل، من بينها تعثر مسار السلام الشامل، وغياب رؤية سياسية موحدة، وتنامي نفوذ الفاعلين المحليين على حساب الدولة، إلى جانب تحولات في مواقف القوى الإقليمية تجاه الأزمة اليمنية.
دور مصر
أكدت الدكتورة كاترين أن القاهرة لعبت ولا تزال تلعب دورًا محوريًا ومتوازنًا في الملف اليمني، انطلاقًا من ثوابت سياستها الخارجية القائمة على دعم الدولة الوطنية، ووحدة المؤسسات، وسيادة الدول.
وشددت على أن مصر تؤكد دائمًا أن الحل في اليمن يجب أن يكون سياسيًا شاملًا، يحافظ على وحدة الدولة مع معالجة عادلة لقضية الجنوب في إطار الدولة، وليس عبر التفكيك أو الفوضى.
وأشارت إلى التحرك الدبلوماسي المصري عبر جامعة الدول العربية والأمم المتحدة، وبالتنسيق مع دول الخليج، لدفع الأطراف اليمنية نحو الحوار ووقف التصعيد، وحماية الأمن القومي العربي، لافتة إلى أن استقرار اليمن يرتبط مباشرة بأمن البحر الأحمر وباب المندب، ومنع تحوله إلى بؤرة تهديد للملاحة الدولية.
وأكدت الدكتورة كاترين فرج الله إن الدول العربية ترفض شرعنة الكيانات المسلحة سواء في الشمال أو الجنوب، وتدعو إلى بناء جيش وطني موحد يخضع لسلطة مدنية، مع دعم جهود الإغاثة وإعادة إعمار اليمن، وأن الحل، لا بد أن يقوم على حوار يمني يمني شامل، ومعالجة عادلة لقضية الجنوب، وإنهاء التدخلات الخارجية، بدعم عربي منسق تقوده دول محورية وعلى رأسها مصر، مشددة على أن اليمن اليوم يقف عند مفترق طرق إما دولة موحدة تتسع للجميع، أو مسار التقسيم والتفتيت.



