الآية 32 من سورة المائدة.. ما الحكمة من تعقيب قصة ابني آدم بذكر بني إسرائيل؟
ما الحكمة من تعقيب قصة ابني آدم بذكر بني إسرائيل؟، ولماذا عقب الله تعالى بعد حادثة ابني آدم بقوله: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ مع أن المتداول أن بني إسرائيل هم أولاد سيدنا يعقوب عليه السلام، وهو متأخر زمنًا عن ابني آدم؟
ما الحكمة من تعقيب قصة ابني آدم بذكر بني إسرائيل؟
وقالت الدكتورة روحية مصطفى عضو هيئة التدريس بجامعة الأزهر: جاءت قصة ابني آدم عليه السلام في القرآن الكريم تمهيدًا لبيان خطورة جريمة القتل، باعتبارها أول جريمة سفك دم في تاريخ البشرية، وما ترتب عليها من فساد عظيم في الأرض. ثم عقب الله تعالى على هذه القصة بقوله: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، الآية 32 من سورة المائدة.
وبينت أن الذكر لا على سبيل الترتيب الزمني، بل على سبيل التعليل التشريعي؛ أي من أجل ما كشفت عنه هذه الجريمة من خطورة استباحة النفس الإنسانية شُرعت هذه القاعدة العظيمة. وخصّ بنو إسرائيل بالذكر؛ لأنهم أول أمة كُتب لها هذا الحكم في التوراة، ولشيوع القتل وسفك الدماء فيهم، حتى بلغ بهم الأمر قتل الأنبياء بغير حق.
وأضافت: مع أن الخطاب وُجّه إليهم ابتداءً، إلا أن الحكم عام في معناه، مقرر لتعظيم النفس الإنسانية في جميع الشرائع. ويظهر من هذا السياق الربطُ المقاصدي الواضح بين القصة والتشريع؛ إذ إن الشريعة لم تذكر حادثة القتل لمجرد السرد التاريخي، وإنما لتأسيس مقصدٍ كليٍّ عظيم هو حفظ النفس، والتنبيه إلى أن التفريط في أول جريمة يؤدي إلى شيوع الفساد في المجتمع كله، فجاء التشريع مغلّظًا للقتل، رابطًا الاعتداء على نفس واحدة بالاعتداء على الإنسانية جمعاء، سدًّا لذرائع التهاون بالدماء وترسيخًا لمقصد صيانتها.
لماذا أذن النبي بـ غزوة تبوك رغم وقوعها في شهر رجب؟
وفي سياق متصل، القتال في الأشهر الحُرُم.. لماذا أذن النبي بـ غزوة تبوك رغم وقوعها في شهر رجب؟، سؤال بينته الدكتورة روحية مصطفى عضو هيئة التدريس بجامعة الأزهر.
وقالت: قانونُ السماء أن لا قتال في الأشهر الحُرُم، غير أن إرادة الله تعالى شاءت أن يبتلي المسلمون باختبارٍ عظيم، بعد أن وضعت الحرب أوزارها، وصدق الله وعده لرسوله ﷺ، ففتح عليه مكة المكرمة، فخضعت له قريش ومن حولها دون إراقة دماء، ولا تثريب ولا انتقام، بل كان الفتح فتحَ عفوٍ وصفح.
وتابعت: غير أن عدوَّ الإسلام لم يهدأ له بال، وهم جيش الروم، إذ خافوا من انتشار الدعوة الإسلامية وقوتها المتنامية، ففكّروا في مهاجمة المسلمين في عقر دارهم للقضاء على الدعوة وأتباعها. فلما بلغ رسولَ الله ﷺ خبرُ تدبيرهم، قرر – بوحيٍ من الله تعالى – الخروج لملاقاتهم، فأعلن النفير العام، وبدأ بتجهيز جيشٍ عظيم لمواجهة هذا الخطر الداهم، وكانت التحديات جسيمة؛ فقد واجه المسلمون قوةَ عدوٍّ يُمثّل دولةً عظمى، مع قلةٍ شديدة في الزاد والعتاد والدواب، وشدةِ حرٍّ وقلةِ ماء، فضلًا عن أن الوقت كان وقتَ حصاد الثمار التي يعتمد الناس عليها في معيشتهم طوال العام.
حكمة النبي في الخروج لـ غزوة تبوك في الأشهر الحرم؟
وشددت: لهذا اقتضت حكمةُ النبي ﷺ في هذه الغزوة أن يُصرِّح للصحابة بوجهته ومقصده، على خلاف ما كان يعهده المسلمون في أكثر الغزوات، وذلك لعِظَم المواجهة، ولأن احتمال تسريب الخبر كان بعيدًا؛ فهذه ليست حربًا مع قبائل متفرقة، بل مواجهة مع قوة عالمية لا يتوقع أهلها أن يخرج المسلمون لقتالها.
وأكملت: لتشجيع الصحابة على البذل والعطاء، جعل النبي ﷺ الجنةَ جزاءً لمن يساهم في تجهيز هذا الجيش، الذي عُرف بـ جيش العُسرة، فانطلق الصحابة يتنافسون في البذل، كلٌّ بحسب ما يملك، في مشهدٍ صادق من الإيمان والتضحية، رغم قلة ذات اليد وشدة الحال، غير أن هذا الصفاء لم يخلُ من كدر المنافقين، الذين نشروا الإشاعات، وحاولوا تثبيط الهمم، وسخروا من المؤمنين ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.سورة التوبة آية 79 ، ومع ذلك، اكتمل تجهيز الجيش، وخرج المسلمون في جيشٍ عظيم العدد، قليل العُدَّة، شديد الاعتماد على الله تعالى، وفي الطريق أصابتهم مجاعة، فأشار بعضهم بذبح الإبل، غير أن الرأي الراشد كان باللجوء إلى دعاء النبي ﷺ، وعدم ذبح الإبل لحاجتهم إليها في السير، فدعا رسول الله ﷺ فبارك الله في القليل حتى كفى الجميع.
وأضافت: لما وصل المسلمون إلى تبوك، وتهيؤوا للقاء العدو، ألقى الله الرعب في قلوب الروم، فتراجعوا دون قتال، فنصر الله تعالى رسوله ﷺ بالرعب، وأسقط هيبة العدو، وكشف حقيقة المنافقين، ودخلت قبائل كثيرة في الإسلام. وقد وافقت هذه الغزوة قانونَ السماء في تحريم القتال في الأشهر الحُرُم، إذ لم تقع فيها مواجهة عسكرية ولا إراقة دماء، وكانت آخر الغزوات التي غزاها رسول الله ﷺ.
أحداث غزوة تبوك
وأكدت: الناظر في أحداث غزوة تبوك يرى بوضوح كيف أسقط الله غرور القوة، ونصر أهل الإيمان بثباتهم وتوكلهم، فحقق لهم النصر دون قتال، وعادوا إلى المدينة المنورة مرفوعي الرأس. وفي ذلك عبرةٌ عظيمة لكل من يواجه تحديات الحياة: لا يأس، ولا قنوط، بل أخذٌ بالأسباب، وتوكلٌ صادق على الله تعالى؛ فمن توكل عليه كفاه، ونصره من حيث لا يحتسب.




