لمن يحرص على الصيام في شهر رجب.. ما حكم الاكتفاء في السحور بتناول الماء فقط؟
شهر رجب من الأشهر الحرم التي دعا الله تعالى فيها إلى تعظيم الطاعة والبعد عن الظلم، مستشهدًا بقوله سبحانه: «فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ»، مؤكدًا أن هذا الشهر يُعد فرصة حقيقية للتوبة والرجوع إلى الله وفتح أبواب الخير.
حكم الصيام في شهر رجب
أشار العلماء إلى استحباب الإكثار من الطاعات في شهر رجب، وعلى رأسها الصيام لمن استطاع، لما له من فضل عظيم، مشيرًا إلى ما ورد في فضل الصيام عمومًا، وأنه باب من أبواب القرب إلى الله تعالى.
.ما حكم الاكتفاء في السحور بتناول الماء فقط؟
أكدت دار الإفتاء :يحصل تمام السحور وفضيلته وسنته بتناول شيء من الطعام أو الشراب ومما يحصل به التقوي على أداء العبادة وكان مباحًا شرعًا، فيجوز السحور والاكتفاء بالماء، ويحصل بذلك فضيلته وبركته وتمام الأجر، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «السَّحُورُ أَكْلُهُ بَرَكَةٌ، فَلَا تَدَعُوهُ وَلَوْ أَنْ يَجْرَعَ أَحَدُكُمْ جَرْعَةً مِنْ مَاءٍ؛ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الْمُتَسَحِّرِينَ» رواه الإمام أحمد في “المسند”.
مفهوم السحور والحكمة من مشروعيته للصائم
السَّحَرُ بِفَتْحَتَيْنِ: قُبَيْلُ الصُّبْحِ، السَّحُورُ: مَا يُؤْكَلُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَهُوَ السُّدُسُ الأَخِيرُ مِنَ اللَّيْلِ، وَتَسَحَّرْتُ: أَكَلْتُ السَّحُورَ؛ فهو بفتح السين المأكول في السَّحَر، وبضمها يُطلق على الفعل
فالسحور: هو الأكل أو الشرب لمن يريد الصيام في وقت متأخر من الليل، وهو وقت السحر قبيل الفجر الذي فيه تُنزُّل الرحمات، فيحصُل للمؤمن باليقظة فيه والذكر والدعاء والقيام بهذه السُّنَّة بركة وخير كثير.
وقد شرع الله تعالى السحور للصائم ليتقوَّى به على صوم النهار، وسماه النبي صلى الله عليه وآله وسلم الغداء المبارك من أجل ذلك؛ فعن العرباض بن سارية السلمي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يدعو إلى السحور في شهر رمضان المبارك: «هَلُمَّ إِلَى الْغَدَاءِ الْمُبَارَكِ» رواه الإمام أحمد في “المسند”، وأبو داود والنسائي في “السنن”.
قال الإمام الخَطَّابي في “معالم السنن”: إنما سماه غداء؛ لأن الصائم يتقوَّى به على صيام النهار، فكأنه قد تغدى، والعرب تقول: غدا فلان لحاجته، إذا بكَّر فيها، وذلك من لدن وقت السحر إلى طلوع الشمس.
بيان فضل السحور للصائم
قد حث النبي صلى الله عليه وآله وسلم على السحور للصائم؛ لما فيه من حصول البركة التي تحدث من ذكر المتسحرين وصلاتهم وتلاوتهم للقرآن الكريم، وتضرعهم لله تعالى بالدعاء وغيرها من الأمور التي تحدث من المسلم عند استيقاظه للسحور، كما أن في السحور الأخذ بأسباب القوة على أداء العبادة كاملة غير منقوصة؛ فعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «تَسَحَّرُوا، فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً» متفق عليه.
قال الإمام بدر الدين العَيْني الحنفي في “عمدة القاري”: قوله: “بركة” قد ذكروا فيها معاني؛ الأول: أنه يُبارك باليسير منه بحيث يحصل به الإعانة على الصوم. الثاني: يُراد بالبركة نفي التبعة فيه. الثالث: يُراد بالبركة القوة على الصيام وغيره من أعمال النهار. الرابع: يُراد بالبركة الرخصة والصدقة، وهو الزيادة في الأكل على الأكل عند الإفطار. وقال عياض: قد تكون هذه البركة ما يتفق للمتسحر من ذكر أو صلاة أو استغفار وغيره من زيادات الأعمال التي لولا القيام للسحور لكان الإنسان نائمًا عنها وتاركًا لها. وقال ابن دقيق العيد: هذه البركة يجوز أن تعود إلى الأمور الأخروية؛ فإن إقامة السُّنَّة توجب الأجر وزيادته، ويحتمل أن تعود إلى الأمور الدنيوية كقوة البدن على الصوم وتيسيره من غير إضرار بالصائم.
وقال الإمام الحَدَّاد الحنفي في “الجوهرة”: في الحديث إضمار، تقديره: فإن في أكل السحور بركة، والمراد بالبركة زيادة القوة في أداء الصوم، ويجوز أن يكون المراد به نيل الثواب؛ لاستنانه بأكل السحور بسنن المرسلين، وعمله بما هو مخصوص بأهل الإسلام.



