ما حكم التأمين عند قراءة آية فيها دعاء أثناء الصلاة؟.. الإفتاء توضح
مسألة فقهية دقيقة تتكرر في حياة المصلين، خاصة مع الحرص على تدبر آيات القرآن أثناء الصلاة، حيث يمر القارئ بآيات الدعاء والرجاء أو آيات الوعيد والعذاب، فيثور التساؤل حول مشروعية التأمين أو السؤال أو الاستعاذة في هذا الموضع
ما حكم التأمين عند قراءة آية فيها دعاء أثناء الصلاة؟
أكدت دار الإفتاء أنه يجوز شرعًا لمن مر بآية دعاء أن يؤمِّن، ولمن مر بآية رحمة أن يسأل، ولمن مر بآية عذاب أن يتعوذ؛ لفعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، سواء في صلاة النافلة باتفاق الفقهاء، أو صلاة الفريضة على ما ذهب إليه الشافعية والحنابلة، وسواء كان إمامًا أو مأمومًا أو منفردًا، وهذا كله بشرط مراعاة الأدب المشروع في الدعاء، وعدم منافاة حال الخشوع والانشغال عن فهم وتدبر معاني ما يتلوه من القرآن.
حكم قراءة القرآن في الصلاة
قراءة القرآن في الصلاة ركن من أركان الصلاة المتفق عليها بين الفقهاء على اختلاف بينهم وتفصيل فيما يجب من القراءة فيها؛ لما رواه الشيخان في صحيحيهما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال للمسيء صلاته: «إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ».
قال الإمام ابن دقيق العيد في إحكام الأحكام: قوله “ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن”: يدل على وجوب القراءة في الصلاة.
معنى التأمين في الدعاء
التأمين في الدعاء: أن يقول السامع “آمين”، بمعنى: اللهم افعل بنا ذلك، فهو طلب المؤمِّن من الله أن يستجيب الدعاء. ينظر: العين للخليل بن أحمد، وحلية الفقهاء لابن فارس، وشمس العلوم للحميري اليمني.
واستعمله الفقهاء بمعنى طلب استجابة الدعاء من رب العالمين؛ فقالوا: آمين معناه: اللهم استجب لنا. ينظر: تبيين الحقائق للزيلعي، والمحيط البرهاني لابن مازه، وشرح مختصر خليل للخرشي.
حكم التأمين في الصلاة بعد قراءة الفاتحة
التأمين في الصلاة مستحب بعد قراءة الفاتحة؛ لما رواه الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إِذَا قَالَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ: آمِينَ. وَالْمَلَائِكَةُ فِي السَّمَاءِ: آمِينَ. فَوَافَقَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى. غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».
قال القاضي عياض في إكمال المعلم: معنى قوله: «مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلَائِكَةِ»: قيل: يعني في وقت تأمينهم ومشاركتهم في الدعاء والتأمين، ويفسره قوله: «وَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ فِي السَّمَاءِ: آمِينَ»، وإليه ذهب الداودي والباجي، وعلى هذا يظهر قول الخطابي: أن الفاء هنا ليست للتعقيب وأنها للمشاركة، إذ علق الغفران بالموافقة في القول على هذا التأويل، وقيل: من وافق تأمينه تأمين الملائكة في الصفة والخشوع والإخلاص.
وقال العلامة المناوي في فيض القدير: وفيه: أنه يسن للإمام بعد الفاتحة في الصلاة آمين، وأنه يجهر بها في الجهرية، ويقارن المأموم تأمين إمامه.
حكم التأمين عند المرور بآية دعاء في الصلاة والاستعاذة عند المرور بآية عذاب
أما التأمين عند المرور بآية دعاء في الصلاة، وكأن المؤمِّن يسأل الله تعالى إذا مر بآية رحمة وأن يستجير من العذاب إذا مر بآية وعيد، فقد اختلف فيه الفقهاء:
فذهب الحنفية والمالكية، وهي إحدى الروايات عن الحنابلة: إلى كراهة التأمين عند المرور بآية دعاء في صلاة الفريضة، وإلى جوازه في غير الفريضة. وزاد الحنفية الاستحباب للمنفرد.
وذهب الشافعية، والحنابلة في رواية: إلى أن ذلك مستحب لكل قارئ مطلقًا، سواء في الصلاة وخارجها وسواء الإمام والمأموم والمنفرد.
قال الإمام السرخسي في المبسوط: قال: وإذا مر المصلي بآية فيها ذكر الجنة فوقف عندها وسأل، أو بآية فيها ذكر النار فوقف عندها وتعوذ بالله منها فهو حسن في التطوع إذا كان وحده. فأما إذا كان إمامًا كرهت له ذلك؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يفعله في المكتوبات، والأئمة بعده إلى يومنا هذا، فكان من جملة المحدثات، وربما يمل القوم بما يصنع وذلك مكروه، ولكن لا تفسد صلاته؛ لأنه لا يزيد في خشوعه، والخشوع زينة الصلاة، وكذلك إن كان خلف الإمام، فإنه يستمع وينصت.
وقال الإمام الحطاب في مواهب الجليل: قال في المسائل الملقوطة: إذا مر ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قراءة الإمام فلا بأس للمأموم أن يصلي عليه، وكذلك إذا مر ذكر الجنة والنار فلا بأس أن يسأل الله الجنة ويستعيذ به من النار، ويكون ذلك المرة بعد المرة.
وجاء في التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب: يكره الدعاء في خمسة مواضع باتفاق. وثالثها: في أثناء السورة، ذكره ابن عطاء. قال: لأنها سنة، والدعاء ليس بسنة. قال عنه ابن نافع في المجموعة: وإن كان في نافلة فيمر بآية استغفار فليستغفر الله، ويقول: ما شاء الله، فلا بأس. وعلل ذلك بأن السورة في النافلة ليست مؤكدة كما في الفريضة.
وقال الإمام النووي في المجموع: ويستحب إذا مر بآية رحمة أن يسأل الله تعالى من فضله، وإذا مر بآية عذاب أن يستعيذ من العذاب أو من الشر ونحو ذلك، وإذا مر بآية تنزيه لله تعالى نزَّه، فقال: تبارك الله أو جلت عظمة ربنا ونحو ذلك، وهذا مستحب لكل قارئ سواء في الصلاة وخارجها، وسواء الإمام والمأموم والمنفرد.
وقال الإمام المرداوي في الإنصاف: قوله: وإذا مرت به آية رحمة أن يسألها، أو آية عذاب أن يستعيذ منها، هذا المذهب، يعني يجوز له ذلك وعليه الأصحاب. ونص عليه، وعنه: يستحب. وعنه: يكره في الفرض، وذكر ابن عقيل في جوازه في الفرض روايتين، وعنه: يفعله وحده، وقيل: يكره فيما يجهر فيه من الفرض، دون غيره.
والمختار للفتوى: استحبابه مطلقًا على ما قرره فقهاء الشافعية والحنابلة في رواية؛ لفعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقد روى مسلم في صحيحه عن حذيفة رضي الله عنه، قال: صليت مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذات ليلة، فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى، فقلت: يصلي بها في ركعة، فمضى، فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء، فقرأها، ثم افتتح آل عمران، فقرأها، يقرأ مترسلًا، إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ، ثم ركع، فجعل يقول: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ»، فكان ركوعه نحوًا من قيامه، ثم قال: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ»، ثم قام طويلًا قريبًا مما ركع، ثم سجد، فقال: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى»، فكان سجوده قريبًا من قيامه. قال: وفي حديث جرير من الزيادة، فقال: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ».
قال الإمام النووي في شرح صحيح مسلم: قوله: “يقرأ مترسلًا إذا مر بآية فيها تسبيح سبح وإذا مر بسؤال سأل وإذا مر بتعوذ تعوذ” فيه استحباب هذه الأمور لكل قارئ في الصلاة وغيرها.



