عاجل

علي جمعة: صحيح البخاري ذروة المنهج العلمي في توثيق السنة وأصح كتاب بعد القرآن

الدكتور علي جمعة
الدكتور علي جمعة

قال الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء، إن «صحيح الإمام البخاري» يمثّل ذروة المنهج العلمي في توثيق سنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويُعدّ بإجماع الأمة أصحَّ كتابٍ بعد كتاب الله تعالى، لما تفرّد به من دقةٍ في الرواية، وصرامةٍ في النقد، ومنهجٍ علمي أصيلٍ تتابعت عليه أجيال العلماء عبر القرون.

صحيح البخاري 


وأكد الدكتور علي جمعة في مقالة له بمنصة وزارة الأوقاف الرسمية ، أن صحيح الإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري، المتوفى سنة 256هـ، حظي بمكانة فريدة بين كتب الحديث، ليس فقط لما احتواه من أحاديث صحيحة، بل للمنهج الدقيق الذي اعتمده مؤلفه في الجمع والانتقاء والتمحيص، حتى سمّاه: «الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه»، وإن اشتهر بين الناس باسم «صحيح البخاري».


وأشار إلى أن عناية الأمة بهذا الكتاب بدأت منذ عصر مؤلفه؛ إذ سمعه من الإمام البخاري خلقٌ كثير في البلاد التي نزل بها، حتى روى الإمام الفَرَبْرِي أنه سمع الكتاب من البخاري تسعون ألف نفس، ثم توالت روايته عبر أسانيد متعددة، من أشهرها رواية حماد بن شاكر المتوفى سنة 290هـ، وإبراهيم بن معقل النسفي المتوفى سنة 240هـ، ومحمد بن يوسف بن مطر الفربري المتوفى سنة 320هـ.
وأوضح الدكتور علي جمعة أن الرواية التي استقرّت ووصلت إلينا هي رواية الفربري، والتي تلقّاها عنه عدد من الأعلام، منهم: أبو محمد الحَمُّوِي المتوفى سنة 381هـ، وأبو الهيثم محمد الكُشْمِيْهَنِي المتوفى سنة 389هـ، ثم رواها عن الحَمُّوي الإمام الداودي المتوفى سنة 467هـ، ومنه أبو الوقت المتوفى سنة 553هـ، ثم الإمام النووي المتوفى سنة 676هـ، في سلسلة علمية متصلة تعبّر عن دقة النقل وحرص العلماء على سلامة النص.
وأكد  الدكتزر علي جمعة أن هذا الاهتمام لم يقتصر على الرواية فحسب، بل شمل التحرير والتدقيق والمقابلة، حتى اجتمع اثنان من كبار علماء العربية والحديث، هما: جمال الدين محمد بن مالك صاحب الألفية المشهورة في النحو، المتوفى سنة 672هـ، وشرف الدين علي بن محمد اليونيني المتوفى سنة 701هـ، مع جماعة من الفضلاء في دمشق، لعقد جلسات علمية متتابعة بلغ عددها إحدى وسبعين جلسة، بدأت سنة 667هـ، لتحرير نص صحيح البخاري كلمة كلمة، بل حركة حركة.
وأضاف الدكتور علي جمعة  أن ثمرة هذه الجهود كانت خروج النسخة اليونينية، التي بلغت غاية التحقيق والتدقيق، حتى أصبحت أوثق نسخ صحيح البخاري وأعظم أصوله المعتمدة، واعتمدها الإمام القسطلاني المتوفى سنة 923هـ أساسًا لشرحه لصحيح البخاري، فحقق المتن حرفًا حرفًا على ضوئها.
وتوقف الدكتور علي جمعة عند الدلالة المنهجية لهذه الجهود، مؤكدًا أن هذا العمل الجماعي المتكامل، والتدقيق المتناهي، والبناء العلمي المتواصل عبر العصور، يمثل منهجًا علميًا راسخًا افتقدناه في كثير من مجالاتنا المعاصرة، وهو عين المنهج الذي مكّن الأمم الأخرى من التقدم في علوم الطبيعة والتطبيق.
وأشار  الدكتور علي جمعة إلى أن النسخة اليونينية انتقلت محفوظةً في خزائن السلاطين والخلفاء حتى استقرّت عند السلطان العثماني عبد الحميد خان، الذي أرسلها إلى شيخ الأزهر الشريف ليتم طباعة صحيح البخاري على أساسها، فكانت الطبعة السلطانية التي تولت المطبعة الأميرية بمصر إخراجها ما بين سنتي 1311هـ و1313هـ، في تسعة أجزاء جرت العادة على تجليدها في ثلاثة مجلدات.
ونقل الدكتور علي جمعة ما أورده الشيخ حسونة النواوي في مقدمة هذه الطبعة، حيث أوضح أن السلطان عبد الحميد رأى أن أجلّ خدمة تُسدى للسنة النبوية هي نشر أحاديثها الشريفة على وجه يصح معه النقل ويرضاه العقل، فاختار صحيح البخاري لما اشتهر به من ضبط الرواية عند أهل الدراية، وأمر بطباعته في المطبعة الأميرية لما عُرفت به من دقة التصحيح وجودة الطباعة، مع الالتزام التام بالنسخة اليونينية المحفوظة بالآستانة.
وأوضح أن جماعة من علماء التصحيح بالمطبعة الأميرية، منهم محمد بك بن علي المكاوي، ومحمد الحسيني، ومحمود مصطفى، تولوا مراجعة النص، وأثبتت لجنة الأزهر ملاحظاتها في أواخر الأجزاء، وكان محمد بك المكاوي من أكثرهم عناية بتحرير النص، حتى إنه دوّن مئتين وتسعة وثمانين موضعًا من الملاحظات، أغلبها في مسائل ضبط وإعراب واختلاف وجوه معتبرة.


وأضاف الدكتور  أن المطبعة الأميرية أعادت طباعة صحيح البخاري بعد الفراغ من الطبعة السلطانية، مع مراعاة تلك الملاحظات، على نفقة السيد محمد حسين عيد الفَكْهاني، خلال الفترة من 1315هـ إلى 1317هـ، فظهرت الطبعة الفَكْهانية، التي عقّب عليها المكاوي مرة أخرى في ست صفحات، ولا تزال هذه التعقيبات محفوظة بدار الكتب المصرية.


وشدد الدكتور علي جمعة على أن الأمانة العلمية التي دفعت العلماء للتفريق بين الطبعة السلطانية والفكهانية، رغم تطابقهما في النص حرفًا بحرف، تُبرز روح المنهج العلمي الرصين، الذي يرفض التساهل أو الخلط، ويحترم الفروق الدقيقة، محذرًا من الطبعات المتأخرة التي نُسبت زورًا إلى السلطانية، وهي في الحقيقة لا تمثلها، لما دخلها من تحريف وتصحيح وتغيير.


وختم الدكتور علي جمعة بالتأكيد على أن صحيح البخاري ليس مجرد كتاب تراثي، بل رمز لمنهج علمي متكامل في الدقة والضبط والمسؤولية، وأن الأمة حين تلقته بالقبول، إنما تلقّت معه هذا المنهج، الذي ينبغي أن يكون أساسا لتربية الباحثين والعلماء في مختلف التخصصات، حفاظًا على الجدية والانضباط، وصونًا لمؤسساتنا العلمية من التسيب الذي لا تملك الأمة وقتًا لتحمله.

تم نسخ الرابط