عاجل

في لحظات الفقد، تتجرد الكلمات من زينتها، وتعلو المشاعر الإنسانية فوق كل اعتبار، وتصبح العزاءات و الجنازات مساحات مقدسة للحزن والاحترام والتضامن الإنساني غير أن ما نشهده خلال السنوات الأخيرة، خاصة مع الانتشار الواسع لمنصات التواصل الاجتماعي، يمثل انتهاكا صارخا لهذه القدسية، بعدما تحولت بعض العزاءات و الجنازات، لا سيما الخاصة بالفنانين والشخصيات العامة، إلى ساحات للتصوير غير الأخلاقي، وبث المحتوى، وجمع المشاهدات، دون أدنى اعتبار لحرمة الموت أو مشاعر ذوي الفقيد.


إن ما تقوم به بعض الصفحات المشبوهة من اقتحام العزاءات و الجنازات، والتقاط صور ومقاطع فيديو في أكثر اللحظات ألما، يمثل سلوكا مرفوضا إنسانيا وأخلاقيا ودينيا، ويعكس حالة من الانفلات القيمي التي تستوجب وقفة جادة من المجتمع والدولة على حد سواء فالموت ليس مادة للسبق الصحفي الرخيص، والحزن ليس سلعة تتداول على منصات التواصل، والخصوصية ليست أمرا هامشيا يمكن تجاوزه بدعوى “الترند” أو “حق الجمهور في المعرفة”.

ومن هذا المنطلق، تبرز الحاجة الملحة إلى صياغة مدونة سلوك أخلاقية واضحة وصارمة، تحكم التعامل مع العزاءات و الجنازات، وتحدد الخطوط الحمراء التي لا يجوز تجاوزها، سواء من قبل الأفراد أو وسائل الإعلام أو الصفحات الإلكترونية فهذه المدونة لا تهدف إلى تقييد الحريات، بقدر ما تسعى إلى تنظيمها وضمان ممارستها في إطار من الاحترام والمسؤولية المجتمعية.

الدين، بكل شرائعه وتعاليمه، حرم انتهاك الخصوصية، وكرم الإنسان حيا وميتا فقد أوصى الإسلام باحترام الميت وصون حرمته، ونهى عن إيذاء مشاعر أهله، وجعل التعزية بابا للأجر والمواساة، لا بابا للتشهير أو التطفل كما أن القيم الدينية تحث على الستر، واحترام الأحزان، وعدم استغلال الضعف الإنساني في لحظات الفقد ومن هنا، فإن أي سلوك ينتهك خصوصية العزاءات و الجنازات يعد مخالفة صريحة للمنظومة القيمية والدينية التي يقوم عليها المجتمع المصري.

وفي السياق ذاته، لا يمكن إغفال البعد القانوني، إذ إن الدستور المصري كفل الحق في الخصوصية، واعتبرها حقا أصيلا لا يجوز المساس به كما أن القوانين المنظمة لمكافحة الجرائم الإلكترونية، وحماية البيانات الشخصية، تجرم نشر أو تداول صور ومقاطع دون إذن أصحابها، خاصة إذا ترتب على ذلك ضرر نفسي أو معنوي إلا أن التحدي الحقيقي يكمن في التطبيق، وفي قدرة التشريعات الحالية على مواكبة التطور السريع لوسائل التواصل، وهو ما يستدعي التفكير في تشريع أكثر تحديدا يضبط سلوك الصفحات التي تتعمد اختراق حرمة الجنازات والعزاءات.

إن إيجاد تشريع منظم لا يعني التضييق على الإعلام الجاد أو الصحافة المسؤولة، بل على العكس، هو حماية لها من الفوضى التي تسيء للمهنة وتشوه صورتها أمام الرأي العام فالإعلام الحقيقي دوره التنوير، لا التلصص، ونقل القيم، لا هدمها، واحترام الإنسان في ضعفه قبل قوته ومن ثم، يجب التفريق بوضوح بين التغطية المهنية الرصينة، وبين الممارسات العبثية التي تتستر خلف لافتة “صحافة المواطن”.

كما أن المسؤولية لا تقع على عاتق الدولة وحدها، بل هي مسؤولية مجتمعية مشتركة، تبدأ من وعي المواطن، وتمر بدور الأسرة، والمؤسسات التعليمية، والمؤسسات الدينية، وتنتهي عند المنصات الرقمية نفسها، التي يجب أن تتحمل جزءًا من المسؤولية في ضبط المحتوى المسيء، ومنع التربح من انتهاك الخصوصية.

إن احترام العزاءات و الجنازات ليس ترفا أخلاقيا، بل هو معيار حقيقي لتحضر المجتمعات والمجتمع الذي لا يحترم أحزانه، يفقد تدريجيا قدرته على التعاطف، و يقسو وجدانه، و تختل بوصلته القيمية ومن هنا، فإن تبني مدونة سلوك أخلاقية، مدعومة بتشريع رادع، وتطبيق حاسم، يمثل خطوة ضرورية لحماية النسيج المجتمعي، وصون الكرامة الإنسانية، والحفاظ على ما تبقى من القيم في زمن الضجيج الرقمي.

المعركة الحقيقية ليست فقط ضد صفحات مشبوهة، بل ضد ثقافة الاستباحة، وضد التطبيع مع الخطأ، وضد تحويل الألم الإنساني إلى محتوى استهلاكي وهي معركة وعي قبل أن تكون معركة قانون، وأخلاق قبل أن تكون نصوصا، ومسؤولية جماعية يجب أن نتحملها جميعا دفاعا عن إنسانيتنا.

تم نسخ الرابط