الذهب على صفيح ساخن.. إلى أين تتجه أسعار المعدن الأصفر في 2026؟
أسعار الذهب، في موجة جديدة من الاضطرابات الاقتصادية العالمية، واصل الذهب تسجيل ارتفاعات قياسية، ليؤكد مجددًا مكانته كـ«الملاذ الآمن» الأول في أوقات عدم اليقين. ارتفاع الأسعار لم يأتِ من فراغ، بل جاء نتيجة تداخل معقد لعوامل دولية ومحلية، في مقدمتها تصاعد التوترات الجيوسياسية، واستمرار السياسات النقدية المشددة عالميًا، وتقلبات أسعار العملات، إلى جانب تنامي مخاوف المستثمرين من تباطؤ الاقتصاد العالمي وارتفاع معدلات التضخم.
أسعار الذهب في 2026
ومع اقتراب عام 2026، تتزايد التساؤلات حول مصير أسعار الذهب: هل يواصل المعدن الأصفر صعوده مدفوعًا باستمرار الأزمات وعدم وضوح الرؤية الاقتصادية؟ أم تشهد الأسواق موجة تصحيح تعيد التوازن للأسعار؟ بين رهانات المستثمرين وتقديرات الخبراء، يظل الذهب في قلب المشهد الاقتصادي، مرآةً تعكس حجم القلق العالمي وتغير موازين الثقة في النظام المالي الدولي.
قفزات غير مسبوقة وأرقامًا قياسية
قال المهندس هاني ميلاد، رئيس شعبة الذهب بغرفة القاهرة التجارية، إن سوق الذهب يشهد خلال العام الحالي قفزات غير مسبوقة وأرقامًا قياسية منذ بداية العام، موضحًا أن الأسعار سجلت ارتفاعًا تجاوز نحو 70% مقارنة بالمستويات المقررة في مطلع السنة.
وأوضح ميلاد في تصريحات خاصة لـ «نيوز رووم» أن الذهب استطاع كسر مستويات لم تكن متوقعة، حيث تجاوز سعر الأونصة حاجز 4500 دولار، واقترب في بعض الفترات من مستويات أعلى بكثير، وهو ما انعكس مباشرة على السوق المحلية، ليصل سعر جرام الذهب عيار 21 إلى مستويات تاريخية غير مسبوقة.
تصاعد معدلات التضخم عالميًا
وأشار رئيس شعبة الذهب إلى أن هناك مجموعة من العوامل القوية التي تقف خلف هذا الارتفاع، أبرزها تصاعد معدلات التضخم عالميًا، واستمرار الاضطرابات السياسية والاقتصادية في عدد من المناطق، إلى جانب الاتجاه العالمي نحو خفض أسعار الفائدة على الدولار، فضلًا عن زيادة إقبال الصناديق الاستثمارية والبنوك المركزية على شراء الذهب كملاذ آمن.
وأضاف ميلاد أن هذه المؤشرات مجتمعة تؤكد أن الذهب ما زالت أمامه فرص قوية لمزيد من الارتفاع خلال الفترة المقبلة، مرجحًا أن تشهد بداية عام 2026 مستويات سعرية أعلى، قد تصل خلالها الأونصة إلى حدود 5000 دولار، خاصة خلال الربع الأول من العام، مشددًا في الوقت نفسه على أن الذهب «لا سقف له» من حيث الارتفاع، ولا يمكن الجزم بوصوله إلى نقطة تشبع نهائية.
لا توجد أي مؤشرات حقيقية على استقرار الأسعار
وأكد رئيس شعبة الذهب أن التراجعات المؤقتة في الأسعار لا تعني نهاية موجة الصعود، موضحًا أن الذهب حتى في حال تسجيله انخفاضات محدودة يظل محافظًا على مكاسبه، وأنه لا توجد حتى الآن أي مؤشرات حقيقية على استقرار الأسعار أو تراجعها بشكل مستدام.
وتابع: أن استمرار شراء الذهب من جانب البنوك المركزية عالميًا يعزز من قوة المعدن الأصفر خلال المرحلة المقبلة، ويؤكد أنه سيظل أحد أهم أدوات التحوط والاستثمار في ظل حالة عدم اليقين التي يشهدها الاقتصاد العالمي.
تحولات جوهرية في النظام الاقتصادي العالمي
قال لطفي منيب، نائب رئيس الشعبة العامة للذهب، إن الارتفاعات المتتالية في أسعار الذهب تعكس تحولات جوهرية في النظام الاقتصادي العالمي، مؤكدًا أنه من الصعب – بل من المستحيل – تحديد سقف واضح لأسعار الذهب أو التنبؤ بنقطة يتوقف عندها الصعود.
وأوضح منيب في تصريحات خاصة لـ «نيوز رووم» أن تركيز العالم خلال الفترة الحالية يتجه بقوة نحو شراء الذهب، في ظل تراجع الاعتماد على الدولار كملاذ آمن واحتياطي رئيسي لدى البنوك المركزية، مشيرًا إلى أن هذا التحول بدأ بوضوح عقب العقوبات الأمريكية على روسيا، ما دفع العديد من الدول إلى التخوف من التعرض لسيناريوهات مماثلة، والبحث عن بدائل أكثر أمانًا، وعلى رأسها الذهب.
موجة ارتفاع مؤقتة
وأضاف أن ما يحدث حاليًا لا يمكن وصفه بمجرد موجة ارتفاع مؤقتة، بل هو تغيير حقيقي في مفاهيم اقتصادية استقر عليها العالم منذ سبعينيات القرن الماضي، مؤكدًا أن الذهب كان وسيظل العملة الأولى تاريخيًا، وأن جميع العملات الأخرى ظهرت لاحقًا كوسيط للتعامل، لكنها في الأصل كانت مقيمة على الذهب.
وأشار نائب رئيس شعبة الذهب إلى أن الدولار نفسه كان يُقاس بقيمته مقابل الذهب، موضحًا أن فكرة التعامل بالعملات الورقية جاءت كبديل عملي للتبادل، لكن مع اهتزاز الثقة في الدولار عادت البوصلة من جديد إلى الذهب باعتباره الأصل الآمن والأكثر استقرارًا عبر التاريخ.
ارتفاع غير مسبوق في أسعار الذهب مقارنة بما حققه عبر آلاف السنين
وحول التوقعات السعرية، شدد منيب على أنه لا يمكن الجزم باتجاهات الأسعار صعودًا أو هبوطًا، لافتًا إلى أن الذهب ارتفع منذ يناير 2025 من مستوى يقارب 2628 دولارًا للأوقية إلى نحو 4600 دولار، أي بزيادة تجاوزت 70% خلال عام واحد، وهو ارتفاع غير مسبوق مقارنة بما حققه الذهب عبر آلاف السنين.
وأوضح أن هذه القفزة التاريخية لم تكن متوقعة بأي حال من الأحوال، وهو ما يجعل مسألة التنبؤ بالمستقبل شديدة الصعوبة، مشبهًا الوضع الحالي بالقيادة في أجواء ضبابية، حيث لا يمكن رؤية الطريق بوضوح رغم وجود مؤشرات عامة، مشيرًا إلى أن العالم لم يعد يعيش زمن الدولار كما كان في السابق، بل دخل مرحلة جديدة يمكن وصفها بـ«زمن الذهب»، في ظل فقدان الثقة في العملات الورقية، وعودة المستثمرين والدول إلى تخزين الذهب باعتباره الملاذ الآمن الحقيقي.