إلى أين يتجه اتفاق غزة في ظل تسريع إسرائيل لبناء مستوطنات جديدة بالضفة؟
قالت الدكتورة تمارا حداد، الباحثة السياسية الفلسطينية، إن اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، رغم دخوله حيز التنفيذ بعد حرب طويلة ومدمرة، لا يزال اتفاقًا هشًا ولا يمكن الجزم بنجاحه خلال المرحلة المقبلة، في ظل تعقيدات ميدانية وسياسية متصاعدة.
وأوضحت الدكتورة تمارا حداد في تصريح خاص لموقع نيوز رووم، أن توترات الاتفاق مرتبطة بشكل مباشر بما سيجري داخل قطاع غزة، معتبرة أن السياسات الإسرائيلية في الضفة الغربية لا تنفصل عن ما يجري في القطاع، خصوصًا في ما يتعلق بتوسيع الاستيطان، ما يجعل اتفاق وقف إطلاق النار في حالة انقسام وضعف دائمين.

وأكدت حداد أن هذه العوامل المعقدة تؤثر بشكل مباشر على استمرارية الاتفاق، خاصة في ظل غياب نية حقيقية لدى المستوى الأمني والسياسي والحكومة الائتلافية الإسرائيلية لإنهاء الحرب بشكل كامل، الأمر الذي يجعل الاتفاق قابلًا للانهيار في أي لحظة نتيجة الانتهاكات والتوترات العسكرية سواء في غزة أو الضفة الغربية.
وأضافت أن الانتقال إلى واقع سياسي أو تسوية سياسية في قطاع غزة غير متاح، كما هو الحال في الضفة الغربية، مشيرة إلى أن الهدف الإسرائيلي يتمثل في إبقاء المرحلتين الثانية والثالثة من الاتفاق في حالة تعثر وأزمات مستمرة، إلى جانب الإبقاء على الأوضاع الإنسانية واللوجستية في غزة في غاية الصعوبة، نتيجة استمرار العراقيل الإسرائيلية بعد أي انتقال محتمل لمراحل متقدمة من الاتفاق.
بناء عشرات المستوطنات الجديدة في الضفة
وأشارت حداد إلى أن الاستيطان مرتبط جوهريًا بالرؤية الإسرائيلية، التي تعتبر الضفة الغربية جزءًا مما تسميه “إسرائيل التوراتية”، لافتة إلى أن إسرائيل تعمل على إعادة هندسة جغرافية وديمغرافية وسياسية للضفة الغربية، في إطار مشروع يستهدف إنهاء إمكانية تطبيق حل الدولتين.

وتابعت أن حكومة الاحتلال الإسرائيلي صادقت على عشرات المستوطنات الجديدة في الضفة الغربية، من بينها 19 مستوطنة، بما يعزز إعادة تثبيت مستوطنات كانت ملغاة سابقًا، وأصبحت اليوم ذات شرعية قانونية عبر الكنيست الإسرائيلي، في انسجام واضح مع أهداف اليمين المتشدد الرامية إلى ترسيخ السيطرة الإسرائيلية الكاملة على الضفة الغربية.
وأضافت أن هذه السياسات تهدف إلى فصل المناطق الفلسطينية عن بعضها البعض، وإضعاف إمكانية قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا، إلى جانب تعزيز النفوذ السياسي الداخلي للحكومة الحالية من خلال تنفيذ أجندة اليمين المتطرف.
وأكدت حداد أن تصاعد القمع يولد مزيدًا من التطرف في الضفة الغربية وقطاع غزة، وهو ما يعزز حضور اليمين الإسرائيلي، باعتباره جزءًا من الدعاية الانتخابية المستقبلية المرتبطة بتصعيد التوترات.
وحول العلاقة بين الاستيطان واتفاق غزة، أوضحت حداد أن الربط بينهما ليس مباشرًا من الناحية الإجرائية، لكنه سياسي واستراتيجي بامتياز، حيث يشكل الاستيطان أداة ضغط على أي مفاوضات أوسع، وكلما تعمق الاستيطان، تراجعت فرص التوصل إلى تسوية شاملة تشمل الضفة الغربية وقطاع غزة معًا.
وأشارت إلى أن اتفاق غزة المنفصل عن الضفة الغربية يمثل محاولة تسوية جزئية تعاني من صعوبات حقيقية، بسبب عدم وجود ضغط فعلي على إسرائيل لوقف الحرب بشكل نهائي، مؤكدة أن استمرار التوسع الاستيطاني يضعف الأفق السياسي ويقوض أي حل حقيقي.
وأضافت أن هذه السياسات يتم استخدامها داخليًا داخل إسرائيل كوسيلة ضغط في مفاوضات وقف إطلاق النار أو في شروط تتعلق بفك الحصار عن غزة.

وأردفت حداد بالقول إن استمرار التوسع الاستيطاني يؤدي عمليًا إلى إنهاء حل الدولتين، ما يضعف مصداقية الاتفاقيات المؤقتة، ومنها اتفاق غزة، على المدى الطويل، ويجعل الفلسطينيين في الضفة الغربية ينظرون إلى هذه الاتفاقات بوصفها حلولًا جزئية وغير كافية.
وأكدت أن المجتمع الدولي مطالب بتعزيز دوره والضغط بشكل جدي من أجل حل الدولتين، مشيرة إلى أن اتفاق غزة في حد ذاته مهدد نتيجة غياب الضغط الدولي الحقيقي، وخصوصًا من جانب الولايات المتحدة الأمريكية.
وشددت على أن مستقبل أي اتفاق لا يمكن فصله عن المسار الشامل للصراع الفلسطيني الإسرائيلي ومعالجة جذوره الأساسية، معتبرة أن استمرار السياسات الاستيطانية يقوض فرص التسوية الشاملة التي تربط بين الضفة الغربية وقطاع غزة.



