قوانين مؤجلة منذ 100 عام.. متى يتحرك ملف الأحوال الشخصية؟
رغم مرور أكثر من مئة عام على وضع الإطار التشريعي لقانون الأحوال الشخصية في مصر، لا يزال هذا الملف الشائك حبيس الأدراج، في وقت تتغير فيه طبيعة المجتمع وتتزايد فيه تعقيدات العلاقات الأسرية، دون أن يواكبها تحديث حقيقي للقانون. وعلى مدار عقود طويلة، تعاقبت الحكومات وتبدّلت المجالس التشريعية، بينما ظل قانون الأحوال الشخصية بعيدًا عن التطوير الجذري، ليصبح أحد أكثر القوانين إثارة للجدل، وسط مطالبات متكررة بإعادة صياغته بما يحقق التوازن بين حقوق أطراف الأسرة، ويضمن حماية فعّالة للأطفال، وينهي معاناة آلاف القضايا العالقة داخل محاكم الأسرة.
قانون الأحوال الشخصية
وبين تعاقب الفصول التشريعية وتعدد الوعود، يبقى قانون الأحوال الشخصية مثالًا صارخًا على تشريع تجاوزته التحولات الاجتماعية، دون أن يجد طريقه إلى قاعة المناقشة تحت القبة، وفي التقرير التالي يرصد لكم موقع "نيوز رووم"، سبب تأخر صدور قانو الأحوال الشخصية:
سبب تأخر صدور قانون الأحوال الشخصية
ومن جانبه قالت الدكتورة عبلة الهواري، عضو مجلس النواب، إن تأخر صدور قانون الأحوال الشخصية يرجع بالأساس إلى أن الرئيس عبد الفتاح السيسي وجه بتشكيل لجنة قضائية متخصصة من وزارة العدل لوضع قانون موحد للأسرة المصرية، وهو ما جعل البرلمان ينتظر ما ستنتهي إليه هذه اللجنة.
تشكيل لجنة قضائية متخصصة لوضع قانون موحد للأسرة
وأوضحت الهواري، لـ "نيوز رووم"، أنه بالفعل تم تشكيل اللجنة بقرار من المستشار عمر مروان، وزير العدل السابق، وبدأت عملها في إعداد قانون موحد للأسرة، إلا أنها لم تنتهِ من أعمالها حتى الآن، رغم أن تشكيلها يعود إلى الفصل التشريعي السابق.
وأضافت عضو مجلس النواب أنها كانت قد تقدمت خلال الفصل التشريعي السابق بمشروع متكامل لقانون الأحوال الشخصية، تضمن أبوابًا ومواد جديدة ومعدلة، خاصة فيما يتعلق بقضايا زواج القاصرات، والخِطبة، والعدول عنها، والهدايا، والشبكة، والمهر، وهي أمور تمس واقع المجتمع المصري الحالي، لكنها غير منظمة تشريعيًا حتى الآن.
ملف الرؤية والحضانة
وأكدت الدكتورة عبلة الهواري، أن من أكثر الملفات إشكالية في القانون الحالي ملف الرؤية والحضانة، موضحة أن الطريقة المطبقة حاليًا تمثل عبئًا نفسيًا شديدًا على الطفل، حيث يُجبر على رؤية أحد والديه في أماكن عامة مثل مراكز الشباب أو الجمعيات أو دور العبادة، وهو ما وصفته بأنه إجراء «قاسٍ وغير إنساني» بالنسبة لطفل في هذا العمر، مشددة على أن الحل لا يكمن فقط في تحديد سن الحضانة، وإنما في إعادة تنظيم العلاقة الأسرية بعد الطلاق، بما يسمح للطفل أن يرى والده أو والدته في بيئته الطبيعية داخل منزله، أيا كان الطرف الحاضن، مؤكدة أن الطلاق «شرع أباحه الله»، لكن الطفل لا ذنب له في فشل العلاقة الزوجية.
وأضافت: «من حق الطفل أن يرى والده في منزله، وسط ألعابه وغرفته وحياته اليومية، لا أن يتحول لقاء الأب أو الأم إلى مشهد رسمي جامد يترك آثارًا نفسية سلبية»، مؤكدة أن هذه الرؤية تضمن تنشئة طفل سوي نفسيًا، وتقلل من مشاعر الكراهية والضغينة بين الأب والأم.
حل أزمة الأحوال الشخصية لا يقتصر على التشريع وحده
وأوضحت أن حل أزمة الأحوال الشخصية لا يقتصر على التشريع وحده، بل يحتاج أيضًا إلى دور توعوي متكامل تقوم به المؤسسات المعنية بشؤون المرأة والطفل، لترسيخ ثقافة التعاون بين الأبوين حتى بعد الانفصال.
وفيما يتعلق بالمشهد التشريعي الحالي، أكدت الهواري أن قانون الأحوال الشخصية وقانون الإدارة المحلية يمثلان أكثر ملفين تشريعيين تعقيدًا وتأجيلًا منذ سنوات، مشيرة إلى أن قانون الأحوال الشخصية لم يشهد تعديلًا جذريًا منذ صدوره عام 1920، أي منذ أكثر من 105 أعوام، رغم التغيرات الاجتماعية الهائلة التي طرأت على المجتمع، مشيرة إلى أنها تنتظر ما ستنتهي إليه لجنة وزارة العدل، لكنها في حال استمرار التأخير، ستعيد تقديم مشروع القانون الذي سبق أن أعدته، بعد تنقيحه وتحديثه، تمهيدًا لطرحه مرة أخرى تحت قبة البرلمان خلال الجلسات المقبلة، لمعرفة مدى التفاعل البرلماني والحكومي معه.
أزمة الأحوال الشخصية ليست تشريعية فقط
ومن جانبه قال النائب عاطف مغاوري، عضو مجلس النواب، إن تأخر صدور قانون الأحوال الشخصية لا يرجع إلى سبب واحد، بل يرتبط بتداخل اختصاصات عدة جهات، مؤكدًا أن الأزمة الحقيقية في هذا الملف ليست تشريعية فقط، بل أخلاقية واقتصادية في الأساس.
وأوضح مغاوري، في تصريحات خاصة لـ نيوز رووم، أنه رغم أن المجتمع المصري من حيث المسلمين لا يعاني من تعدد أو تباين مذهبي حاد يعوق التشريع، فإن الخلل يكمن في تحول العلاقة الزوجية من علاقة قائمة على السكن والمودة والرحمة، كما نصّ عليها الشرع، إلى علاقة صراعية ذات طابع اقتصادي وانتقامي، غالبًا ما يدفع ثمنها الأطفال.
وأضاف عضو مجلس النواب: «للأسف، الصراع بين طرفي العلاقة بعد الانفصال لا يكون على الحقوق فقط، بل يتحول في كثير من الأحيان إلى صراع على حساب الأطفال، وكأنهم أداة ضغط أو وسيلة انتقام».
العلاقة الزوجية التي تنتهي دون إنجاب لا تثير أزمات تشريعية
وأشار مغاوري، إلى أن العلاقة الزوجية التي تنتهي دون إنجاب لا تثير أزمات تشريعية كبرى، إذ ينفصل الطرفان ويمضي كلٌ في طريقه، لكن المشكلة الجوهرية تبدأ عندما يكون هناك أطفال، وهنا يصبح قانون الأحوال الشخصية معنيًا أولًا وأخيرًا بحماية مستقبلهم.
وأكد أن المشرّع لا ينبغي أن ينحاز لأي من طرفي النزاع، وإنما يجب أن يشرّع للمستقبل، أي لصالح الأطفال، بما يضمن نشأتهم في بيئة آمنة ومستقرة، مشددًا على أن الخلاف بين الزوجين لا يمكن أن يمحو وجود الأبناء أو يلغي مسؤولية المجتمع والدولة تجاههم.
وفيما يتعلق بتعثر طرح القانون خلال الفصول التشريعية السابقة، أوضح مغاوري أن هناك إشكالية إجرائية، تمثلت في تقديم بعض الجهات لمشروعات قوانين دون أن تكون لها الصفة الدستورية لذلك، مشيرًا إلى أن مشروعات القوانين لا تقدم إلا من الحكومة أو من النواب، بينما يمكن للجهات الأخرى، مثل الأزهر الشريف، أن تقدم رؤى أو مقترحات يتبناها النواب أو تحيلها الحكومة رسميًا.
أسباب تأجيل قانون الأحوال الشخصية
وأضاف أن غياب الإرادة السياسية الواضحة، والخشية من فتح ملف شديد الحساسية دون توافق مجتمعي حقيقي، كانا من أبرز أسباب التأجيل، محذرًا من أن إصدار قانون جديد دون حوار مجتمعي عميق ورؤية متوازنة قد يؤدي إلى نتائج أسوأ من الوضع القائم، مؤكدًا أن التعجل في تشريع قانون الأحوال الشخصية دون توافق وعدالة ورحمة قد يفاقم الأزمات بدلًا من حلها، معربًا عن أمله في أن تشهد المرحلة المقبلة تحريكًا جادًا للملف، قائمًا على رؤية رشيدة تحقق العدل وتحمي الأسرة وتضع مصلحة الأطفال في المقام الأول.
قانون الأحوال الشخصية الحالي يُعد من أسوأ القوانين المعمول بها حاليًا
أكدت النائبة مها عبد الناصر، عضو مجلس النواب، أن قانون الأحوال الشخصية الحالي يُعد من أسوأ القوانين المعمول بها حاليًا، مشددة على أنه بحاجة إلى تغيير جذري وشامل، يتضمن إجراءات أكثر حسمًا وعقوبات أقوى ضد الآباء الممتنعين عن الإنفاق على أبنائهم، بما يضمن حماية حقيقية لحقوق الأطفال والأسرة.
وأضافت عبد الناصر في تصريحات خاصة لـ نيوز رووم، أن التأخر في إصدار قانون جديد للأحوال الشخصية لم يعد مقبولًا، خاصة أن الملف مطروح للنقاش منذ أكثر من 11 إلى 15 عامًا دون حسم، مؤكدة أنه من الضروري الانتهاء من هذا القانون خلال الفصل التشريعي المقبل، قائلة: «كفاية كده، الملف ده لازم يتحسم».
تأمل في وجود إرادة حقيقية لإنهاء هذا الملف الشائك
وعن مدى تفاؤلها بإقرار القانون، أوضحت النائبة أنها لا تفضّل توصيف الأمر بالتفاؤل أو التشاؤم، لكنها تأمل في وجود إرادة حقيقية لإنهاء هذا الملف الشائك، مشيرة إلى أن غياب مشروع قانون من الحكومة لا يعني توقف المسار التشريعي، حيث إن عددًا كبيرًا من النواب لديهم مشروعات قوانين جاهزة.
وشددت عبد الناصر على أن التحدي الحقيقي لا يكمن في تقديم مشروع القانون فقط، وإنما في إدخاله حيز النقاش الجاد داخل البرلمان، وفتح حوار مجتمعي واسع حوله، مع وضع آليات تنفيذ واضحة تضمن تطبيق القانون على أرض الواقع.
وفيما يتعلق بإمكانية إعادة تقديم مشروع قانون سابق، أكدت النائبة أن ذلك أمر وارد بقوة، موضحة أن مشروع القانون الذي سبق تقديمه من قبل النائبة نشوى الديب – ووقّع عليه عدد من النواب – سيتم دراسته داخل ورش العمل الحزبية، مع إمكانية إعادة تقديمه مرة أخرى خلال الفترة المقبلة، وفقًا لتطورات المشهد التشريعي.