مشهد زين العابدين| علي جمعة يصحح خطأ شائعا عن مقام الإمام السجاد.. إليك سيرته
يتزامن مع احتفالات الصوفية بالإمام علي زين العابدين، قال الدكتور علي جمعة عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر، إن هناك خطأ شائعًا فيما يتعلق بمشهده.
مشهد الإمام علي زين العابدين
وقال علي جمعة: تسميه العامة: «مشهد زين العابدين»، وهو خطأ؛ وإنما هو مشهد رأس زيد بن علي، المعروف بزين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين، ويعرف في القديم بمسجد محرس الخصي.
قال القضاعي: مسجد محرس الخصي بني على رأس زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، حين أنفذه هشام بن عبد الملك إلى مصر، ونصب على المنبر بالجامع، فسرقه أهل مصر ودفنوه في هٰذا الموضع.
من هو زين العابدين؟
هو: زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وكنيته أبو الحسين، الإمام، سكن المدينة وروى عن أبيه علي بن الحسين الملقب زين العابدين.
قال أبو حنيفة: شاهدت زيد بن علي كما شاهدت أهله، فما رأيت في زمانه أفقه منه، ولا أعلم، ولا أسرع جوابا، ولا أبين قولا؛ لقد كان منقطع القرين.
وقال الأعمش: ما كان في أهل زيد بن علي مثل زيد، ولا رأيت فيهم أفضل منه، ولا أفصح، ولا أعلم، ولا أشجع؛ ولقد وفى له من تابعه لإقامتهم على المنهج الواضح.
وقال أبو إسحاق السبيعي: رأيت زيد بن علي فلم أر في أهله مثله، ولا أعلم منه، ولا أفضل؛ وكان أفصحهم لسانا، وأكثرهم زهدا وبيانا.
وقال الشعبي: والله ما ولدت النساء أفضل من زيد بن علي، ولا أفقه، ولا أشجع، ولا أزهد.
وقال عاصم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب: لقد أصيب عندكم رجل ما كان في زمانكم مثله، ولا أراه يكون بعده مثله؛ زيد بن علي. لقد رأيته وهو غلام حدث، وإنه ليسمع الشيء من ذكر الله فيغشى عليه، حتى يقول القائل: ما هو بعائد إلى الدنيا.
وكان نقش خاتم زيد: «اصبر تؤجر، اصدق تنج».
وقرأ مرة قوله تعالى: {وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم} [محمد: 38]، فقال: إن هٰذا لوعيد وتهديد من الله. ثم قال: اللهم لا تجعلنا ممن تولى عنك فاستبدل به بدلا.
وسئل جعفر بن محمد الصادق عن خروجه، فقال: خرج على ما خرج عليه آباؤه.
مقتل زين العابدين
وقتل رحمه الله في خلافة هشام بن عبد الملك بالكوفة؛ رمي بسهم في جبهته اليسرى، وظل يوسف بن عمر الثقفي رئيس جيش هشام يتتبع الجرحى في الدور، حتى دل على زيد، فأخرجه وحز رأسه، وصلب جسده على خشبة، ثم أمر هشام بن عبد الملك بإحراقه، وحمل رأسه إلى الشام فنصب على باب دمشق.
ثم أرسل إلى المدينة فنصب عند قبر النبي ﷺ يوما وليلة، وحمل إلى مصر فنصب بالجامع، فسرقه أهل مصر ودفنوه.
وقال جرير بن حازم: رأيت النبي ﷺ في المنام كأنه متكئ إلى خشبة زيد بن علي، وهو يقول: «هٰكذا تفعلون بولدي».
قتل رحمه الله لليلتين خلتا من صفر سنة اثنتين وعشرين ومائة، وعمره اثنتان وأربعون سنة.
وبعد قتل زيد انتقض ملك بني أمية، وتلاشى إلى أن أزالهم الله تعالى ببني العباس.
وهٰذا المشهد باق في مصر، يتبرك الناس بزيارته ويقصدونه، والعامة تسميه «زين العابدين»، وهو وهم؛ وإنما زين العابدين أبوه، وليس قبره بمصر، بل قبره بالبقيع.
الإمام علي زين العابدين بن الحسين
الإمام علي بن الحسين بن الإمام علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، السيد الإمام، زين العابدين، الهاشمي العلوي، المدني. يكنى أبا الحسين، ويقال: أبو الحسن، ويقال: أبو محمد، ويقال: أبو عبد الله.
ولد في سنة ثمان وثلاثين تقريبا. مولده ووفاته بالمدينة.
وحدث عن أبيه الحسين الشهيد، وكان معه يوم كائنة كربلاء وله ثلاث وعشرون سنة، وكان يومئذ موعوكا فلم يقاتل.
قال ابن سعد: هو علي الأصغر، وأما أخوه علي الأكبر فاستشهد مع أبيه بكربلاء.
أحصي بعد موته عدد من كان يقوتهم سرا، فكانوا نحو مائة بيت.
عن أبي جعفر قال: كان أبي علي بن الحسين يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة، فلما حضرته الوفاة بكى. فقلت: يا أبة، ما يبكيك؟ فوالله ما رأيت أحدا طلب الله طلبك؛ ما أقول هٰذا إلا إنك أبي. فقال: يا بني، إنه إذا كان أتى يوم القيامة لم يبق ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا كان الله عز وجل فيه المشيئة: إن شاء غفر له وإن شاء عذبه.
عن أبي حمزة الثمالي: أن علي بن الحسين كان يحمل الخبز بالليل على ظهره، يتبع به المساكين في ظلمة الليل، ويقول: إن الصدقة في سواد الليل تطفئ غضب الرب.
عن محمد بن إسحاق قال: كان ناس من أهل المدينة يعيشون لا يدرون من أين كان معاشهم؛ فلما مات علي بن الحسين فقدوا ما كانوا يؤتون به بالليل.
قال سفيان بن عيينة: قال رجل لعلي بن الحسين بن علي بن أبي طالب: كيف كانت منزلة أبي بكر وعمر من رسول الله ﷺ؟ فقال: منزلتهما منه منزلتهما اليوم. وكان يسمى بالمدينة زين العابدين لعبادته.
عن عبد الله بن أبي سليمان قال: كان علي بن الحسين إذا قام إلى الصلاة أخذته رعدة، فقيل له، فقال: تدرون بين يدي من أقوم، ومن أناجي؟!
عن سفيان: حج علي بن الحسين، فلما أحرم اصفر وانتفض ولم يستطع أن يلبي، فقيل: ألا تلبي؟ قال: أخشى أن أقول: لبيك، فيقال لي: لا لبيك. فلما لبى غشي عليه وسقط من راحلته، فلم يزل بعض ذٰلك به حتى قضى حجه.
عن طاووس: سمعت علي بن الحسين وهو ساجد في الحجر يقول: عبيدك بفنائك، مسكينك بفنائك، سائلك بفنائك، فقيرك بفنائك.
قال: فوالله ما دعوت بها في كرب قط إلا كشف عني.
وكان له جلالة عجيبة، وحق له والله ذٰلك؛ فقد كان أهلا للإمامة لشرفه وسؤدده وعلمه وكمال عقله.
قد اشتهرت قصيدة الفرزدق: أن هشام بن عبد الملك حج قبيل ولايته الخلافة، فكان إذا أراد استلام الحجر زوحم عليه، وإذا دنا علي بن الحسين من الحجر تفرقوا عنه إجلالا له، فوجم له هشام وقال: من هٰذا؟ فما أعرفه!
فأنشأ الفرزدق يقول:
هٰذا الذي تعرف البطحاء وطأته * والبيت يعرفه والحل والحرم
هٰذا ابن خير عباد الله كلهم * هٰذا التقي النقي الطاهر العلم
إذا رأته قريش قال قائلها * إلى مكارم هٰذا ينتهي الكرم
يكاد يمسكه عرفان راحته * ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم
يغضي حياء ويغضى من مهابته * فما يكلم إلا حين يبتسم
هٰذا ابن فاطمة إن كنت جاهله * بجده أنبياء الله قد ختموا
وهي قصيدة طويلة.
قال: فأمر هشام بحبس الفرزدق، فحبس بعسفان، وبعث إليه علي بن الحسين باثني عشر ألف درهم، وقال: «اعذر أبا فراس». فردها وقال: ما قلت ذٰلك إلا غضبا لله ولرسوله. فردها إليه وقال: بحقي عليك لما قبلتها؛ فقد علم الله نيتك ورأى مكانك. فقبلها.
قال الواقدي، وأبو عبيد، والبخاري، والفلاس: مات سنة أربع وتسعين، وروي ذٰلك عن جعفر الصادق. وقال أبو نعيم: توفي سنة اثنتين وتسعين. قال أبو جعفر الباقر: عاش أبي ثمانيا وخمسين سنة. قبره بالبقيع، ولا بقية للإمام الحسين «السبط» إلا من قبل ابنه زين العابدين.


