الزمان بداية الألفية الثانية، تحديدًا عام 2002 حين كان مارك زوكربيرغ قابع في حجرته الجامعية محاولًا الإمساك بفكرة ما تلوح أمامه ولا يستطيع الإمساك بها، وكان لاري بيج رغم نجاح جوجل النسبي يسأل نفسه ما العمل غدًا، في الوقت نفسه كان هناك رجلًا واحدًا لا يطرح الأسئلة بل يفجر المفاجآت، وبينما كان الجميع ينظر إلى الانترنت وكيفية الاستفادة منه كان هذا الرجل يطرح سؤال : كيف نخفض تكلفة السفر إلى الفضاء؟، هذا الرجل هو ما نعرفه الآن واسمه إيلون ماسك أغنى رجل على كوكب الأرض.
لكن آنذاك لم تكن الثروة حاضرة بهذا الشكل الضخم، بل مجرد طرح سؤال "مجنون" بمعايير وقتها كان كافيًا لأن يبعد عنه المستثمرين، لكن لأن في بعض الجنون عبقرية ما والعكس صحيح، لم يتردد "ماسك" في أن يضع كل ثروته الخاصة 100 مليون دولار لتأسيس شركة تحقق هذا الغرض وهي الشركة المعروفة الآن بـ"سبيس إكس".
ورغم أن الشركة تمكنت من إطلاق أول رحلة لها في عام 2008 أي قبل أقل من عقدين، لكنها خلال هذا الوقت القصير تمكنت من أن تصبح قيمتها 1.5 تريليون دولار بعد أن أعلن ماسك أن الشركة العملاقة قد تطرح في البورصة العام المقبل بتقييم يصل إلى هذا الرقم، ولمعرفة الرقم جيدًا يكفي معرفة أن عملاق النفط السعودي "أرامكو" حين طرحت في البورصة عام 2019 كان تقييمها بـ350 مليار دولار، أي أن "سبيس إكس" صارت تجسد أضعاف "ارامكو" من الناحية التسويقية.
وبعيدًا عن أن صفقة كتلك في حالة إتمامها ستدفع بـ"ماسك" إلى أن يكون أول تريليونير في العالم، لكن الأهم هو ما كشفته الصفقة من رهانات المستقبل وهي رهانات ثبت أنها تتركز كلها على التكنولوجيا بمختلف أفرعها وتحديدًا الذكاء الاصطناعي، يدلل على ذلك أن "سبيس إكس" ليست فقط شركة صواريخ أو رحلات فضائية بل هي من تملك "ستارلينك" أي الإنترنت الفضائي وقد رأينا خلال الحرب الروسية الاوكرانية كيف انحاز ماسك لأوكرانيا فوفر لها الإنترنت بعيدًا عن الطرق التقليدية التي دمرتها موسكو، قرار أثبت من بات صاحب القوة الحقيقية.
النجاح أن تدرك أين تكمن الفرص مبكرًا، هذا ما ينطبق على شركة "غوغل" التي راهنت على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي مبكرًا فاستثمرت في عام 2015 ما بلغ قيمته 900 مليون دولار في "سبيس إكس" مقابل حصة تقارب 7% من الشركة التي قدرت آنذاك بـ12 مليار دولار، وبعد أقل من عقد وبسبب نية طرح "سبيس إكس" في البورصة باتت حصة جوجل مقدرة بـ111 مليار دولار أي أضعاف أضعاف ما دفعته بحسب تقرير لموقع "بيزنس إنسايدر" العالمي.
رهان جوجل وما وصلت إليه ومن قبله رهان إيلون ماسك نفسه على التكنولوجيا التي استخدمها في رحلات الفضاء أو الإنترنت الفضائي هي ما أغرت مستثمرين كثر في الصفقة الجديدة وهو السبب الحقيقي لارتفاع قيمتها إلى هذا الحد، إذ بات المستثمرين بمختلف طوائفهم وتنويعاتهم صغار كانوا أو كبار يدركون جيدًا أنهم في النهاية سيربحون أضعاف ما يدفعونه في ثمن الأسهم مهما بدت الأفكار طموحة وغير قابلة للتنفيذ.
طرح "سبيس إكس" في البورصة أيضًا ومدى التكالب عليها بمجرد الإعلان فقط، وضح بصورة جلية الفروق بين قطاع مثل التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وباقي القطاعات الأخرى بما فيهم النفط "الذهب الأسود" كما أطلق عليه واستمر لعقود هو السلعة الأهم والحصان الرابح في أي تداول، كل ذلك بات ضربًا من الماضي في مواجهة مستقبل يعتمد بالكلية على الرقمنة ويتشكل في الأساس من خلال "ضغطة زر".