عاجل

كيف تعايش أبناء الطبقة المتوسطة مع الوضع الاقتصادي .. وما السبيل لعبور الأزمة

صورة أرشيفية
صورة أرشيفية

 تُواصل مصر منذ سنوات تنفيذ مجموعة من الإصلاحات الاقتصادية والهيكلية، بمساعدة مؤسسات دولية مثل: "صندوق النقد الدولي"، بهدف تحقيق الاستقرار الكلي وتعزيز النمو المستدام والشامل. وقد أدت هذه الإصلاحات إلى تحسن في المؤشرات الاقتصادية الرئيسية، ولكن دفع ثمنها باهظًا أبناء الطبقة المتوسطة التي تمثل القطاع الأكبر من الشعب المصري، خاصةً وأن هذه الإصلاحات تزامنت مع توترات جيوسياسية عالمية أدت إلى مضاعفة الثمن الذي دفعه أبناء هذه الطبقة. 


 حاورت "نيوز رووم" بعض أبناء الطبقة المتوسطة من الشباب في الفئة العمرية من 30 – 40 عامًا، والذين أوضحوا كيف تعايشوا وتأقلموا مع الظروف الاقتصادية، وما تم الاستغناء عنه من رفاهيات من أجل مواصلة الحياة.

 

 كما سألنا الخبراء الذين حللوا أسباب المشكلة، وقدموا روشتة الحلول الممكنة، والتي من شأنها أن تجعل المواطن المصري ابن الطبقة المتوسطة يشعر فعليًا على أرض الواقع بما يتم تحقيقه من نمو اقتصادي بالأرقام، من أجل إنقاذ بقاء الطبقة المتوسطة التي تمثل العمود الفقري للمجتمع المصري، وتدعمه اقتصاديًا واجتماعيًا. 

 

بدائل أرخص


 قالت أمنية ع. موظفة بإحدى شركات قطاع الأعمال، إنها لجأت إلى بدائل بأسعار أرخص وجودة أقل للتعايش مع الظروف الراهنة وضعف القوة الشرائية، موضحةً أنها تمكنت من التكيف ولكن هناك من لم يستطع ذلك.


 وتابعت: "بناكل ونشرب لكن نزلنا طبقتين ثلاثة، واستغنيت عن وجبة كاملة، وبقيت أروح لدكاترة بأسعار أقل، أنا قدرت اعمل كده غيرى ميقدرش، كل واحد وظروفه".


 وأضافت أنها غيرت من أسلوب حياتها بشكل عام، واستغنت عن شراء الكثير من منتجات العناية الشخصية، واكتفت بالأساسيات في الملابس بقدر الضرورة، وكذلك الطعام فقط.


ميزانية يومية


 أما محمد نبيل شاب ثلاثيني يعمل في مجال الإعلام، فقال إنه قام بوضع ميزانية خاصة يوميًا من 80 – 100 جنيه، بحيث لا تتجاوز نفقاته الشهرية مبلغ 3000 جنيه، حيث أنه ليس لديه أية التزامات حاليًا غير نفسه فقط. 


 وأضاف: "الأول مكونتش بحسبها، لكن دلوقتي تخليت عن رفايات زي الخروجات مثلا، مش بنزل أخرج غير للأهمية، المواصلات بقت عايزة ميزانية أصلًا، بجانب الأكل والشرب بره".


 وأوضح أنه – على سبيل المثال – في 2022 كان سعر ربع الدجاجة بالمطاعم يبلغ نحو 25 جنيهًا، أما حاليًا فتضاعف سعرها ليصل إلى 125 جنيهًا، وهي زيادة غير معقولة، وفقًا لنبيل.


 وأكد أن الأطعمة التي يتناولها حاليًا عند التنزه مع الأصدقاء أصبحت عبارة عن حمص وذرة مشوية وآيس كريم، كما أصبحت "الخروجة" عبارة عن "تمشية"، مع استبعاد دخول المطاعم أو الكافيهات بشكل قاطع.


الاستعداد للزواج


 وعن استعداده للزواج، أوضح أنه تمكن من تشطيب شقه قبل الغلاء الحالي لكنه لم يؤثثها بالمفروشات والأثاث اللازم بعد، بالإضافة إلى الذهب الذي يحتاج إلى شرائه لتقديمه للعروس.


 وأضاف: "بقيت دايس على نفسي عشان أجمع أي مبالغ، وهأجل حجرة الأطفال لحد ما يبقي فيه أطفال، وهتجوز بحجرة نوم وركنة فقط".


الاحتياجات الأساسية


 

وأوضحت ف. ع. مسؤولة مبيعات بإحدى الشركات الخاصة، أن غالبية الشباب المصري حاليًا أصبح يعيش في "دوامة" بسبب الظروف الاقتصادية الراهنة. 

 وأضافت: "بشكل عام معظم الشباب بقى بيشتغل أكتر من وظيفة ومش قادر يسد الإحتياجات الأساسية زي الزواج والتجهيز وفتح البيوت أصبح فوق طاقة الشباب".

 وأشارت إلى أن ذلك أدى إلى عزوف نسبة كبيرة من الشباب عن الزواج والاستغناء عن أمر يعد من أساسيات الحياة بسبب الظروف الاقتصادية.

 

وأضافت أن هناك احتياجات كانت تعد أساسية منذ زمن ليس ببعيد مثل: شراء الموظف البسيط للسيارة التي اقتصرت حاليًا على رجال الأعمال وكبار الموظفينن بالإضافة إلى  استغناء الأسرة المصرية عن رفاهيات كانت من الأسسيات مثل: الذهاب للمصايف كل عام.

 وتابعت: "الموضوع كان سهل، لكن دلوقتي أصبح فكرة استغنوا عنها، ومبقاش فيه الرفاهية دي، لأنهم بيجروا في أكثر من وظيفة لتغطية الاحتياجات الأساسية فقط".

 

 

 الخبير الاقتصادي حسام عيد
 الخبير الاقتصادي حسام عيد

تكدس الأعباء 


 وقال الخبير الاقتصادي حسام عيد مساعد رئيس حزب "العدل" للشؤون الاقتصادية لـ "نيوز رووم"، إن الأعباء الحياتية تكدست على المواطن المصري ابن الطبقة المتوسطة، مع رفع الدعم، فأصبحت الحكومة تعالج نفسها على حساب المواطن، رغم أنه من الطبيعي أن يعالج المواطن نفسه على نفقة الدولة. 

 

 

وأكد أن الطبقة المتوسطة هي العمود الفقري للدولة المصرية، وهي الشريحة الأكبر التي تضم غالبية طوائف الشعب المصري، موضحًا أن أي خلل بحقوق وامتيازات هذه الطبقة، فضلًا عن عدم مشاركتها بشكل كامل في الاقتصاد المصري، يؤثر سلبًا على الحياه الاجتماعية والاقتصادية في البلاد.

تحديات اقتصادية


 وأشار عيد إلى أن التحديات الاقتصادية التي شهدها الاقتصاد المصري سواء المترتبة على الأزمات الجيوسياسية العالمية التي ألقت بظلالها على الاقتصاد المصري، بالتزامن مع العوامل الداخلية المتمثلة في الإصلاح الاقتصادي والقرارات الجكومية التشددية التي تم اتخاذها من أجل خفض حدة الأزمات على الاقتصاد المصري، هما أمران وقعا على كاهل المواطن المصري ابن الطبقة المتوسطة، فهو من تحمل وحده تكلفة هذه الإجراءات التعسفية، التي تم اتخاذها لمواجهة المخاطر الاقتصادية. 

 

 وتابع: "بدأت خطة هيكلة الاقتصاد المصري في 2016 بقرار تعويم الجنيه المصري، الذي يعتبر أول تحدي اقتصادي يواجه الطبقة المتوسطة، إذ ضاعف أسعار السلع والخدمات، خاصةً وأننا نستورد نحو 60% - 65% من الاستهلاك المحلي، في حين أننا ننتج فقط نحو 35% – 40% منه، لذا فأي تحريك في أسعار العملات يؤثر سلبًا على أسعار السلع والخدمات. وجاء ذلك بالتزامن مع تطبيق فرض ضريبة القيمة المضافة بنسبة 14%، مما أحدث زيادة جنونية في الأسعار الزيوت والحبوب والغلال والدقيق وكل ما يحتاجه المواطن المصري من الطبقة المتوسطة.

 

جائحة كورونا


 وأضاف أن الأحداث السلبية تعاقبت على المواطن المصري، بدايةً من جائحة كورونا، التي حملت في باطنها أمور إيجابية للاقتصاد المصري – رغم كون ظاهرها أزمة – وهي انخفاض حجم الطلب على السلع والخدمات الأساسية، وكذلك قطاع السياحة والترفيه، بسبب الإغلاقات والإجراءات الاحترازية مثل فرض حظر التجوال، مما أدى إلى انخفاض معدلات التضخم إلى أدنى مستوياتها.

 

 ولكنه أشار إلى أن وقت الركود لم يكن طويلًا، فلم يتخطى 8 شهور، لذلك بدأ الطلب يتزايد، بعد الرجوع للحياة الطبيعية، في بعض القطاعات بقيادة قطاع الأغذية والمشروبات الذي شهد طفرة مكنته من قيادة الاقتصاد المصري في تحقيق معدلات النمو سواء بالاستهلاك المحلي أو التصدير للخارج، حيث ترأس قطاع المواد الغذائية والحاصلات الزراعية قائمة الصادرات المصرية، وكان مصدر كبير للعملة الصعبة في ظل الركود الاقتصادي.

 

الصراع الروسي الأوكراني


 ولفت الخبير إلى تأثير الصراع بين روسيا وأوكرانيا أيضًا على الاقتصاد المصري بسبب احتلال روسيا المركز الثاني في قائمة إنتاج النفط بنحو 10.25 مليون برميل يوميًا، وغياب تلك الحصة بسبب العقوبات الأمريكية أثر بشكل سلبي على أسعار الطاقة، حيث دفع خام برنت، الذي يعد من التكاليف الثابتة في الإنتاج - في مارس 2022 لتسجيل قمته التاريخية عند مستوى 140 دولار للبرميل، وذلك مقارنةً بسعر 60 دولار للبرميل قبل الأزمة، مما اثر على أسعار السلع والخدمات عالميًا، وبالتالي محليًا نتيجة اعتمادنا بشكل كبير على الاستيراد.

 

 وأوضح أن روسيا وأوكرانيا تستحوذان على نسبة 33% من حصة إنتاج العالم من الحبوب والغلال والزيوت، وغيابها بسبب العقوبات الاقتصادية على روسيان وحصار روسيا للميناء الأوكرانية أدى إلى ضعف حجم الكميات المعروضة عالميًا، مما رفع الأسعار بشكل مضاعف، ومازالت الطبقة المتوسطة على خط المواجهة لأية أحداث اقتصادية، وفقًا لمساعد حزب "العدل للشؤون الاقتصادية".

 

  وأضاف: "كل تلك الأمور أثرت على الطبقة المتوسطة بشكل سلبي، فبدلًا من استهلاك الأسرة نحو 5 كيلو دقيق شهريًا أصبحت تكتفي بكيلو واحد، بعد ارتفاع سعره من 7 جنيهات إلى 30 جنيهًا، فاستغنت عن صنع الفطائر والبيتزا، وما شابه ذلك، وكذلك تقلص استهلاك الأرز والسكر، وباقي السلع الأساسية، فضلًا عن الاستغناء عن الرفاهيات، مثل الشيكولاتة ومنتجات التجميل والمصايف والسيارات، منذ أكثر من 5 سنوات".

 

التمويل الاستهلاكي


 وأشار إلى أنه رغم نمو تجارة السيارات إلا أنه كان نموًا تجاريًا ناتج عن التسهيلات الائتمانية، وليس بسبب زيادة الطلب، حيث وصل التمويل الاستهلاكي إلى 900 مليار على مدار 3 سنوات، مما أدى إلى شراء سيارات من أجل استخدامها في العمل في مجال خدمات النقل الذكي..

 

أزمة الكساد العظيم 


 وتابع الخبير: "في الحوار الوطني، تحدثنا كمحللين عن "أزمة الكساد العظيم" التي حدثت في أكتوبر 1929، والتي كان مصدرها الولايات المتحدة الأمريكية التي صدرت الركود لجميع دول العالم، وتأثرت بها بشكل كبير الدول النامية والاقتصادات الهشة، وقارننا بينها وبين الأزمة الحالية حتى لا تتكرر".

 

الخروج من الأزمة


 وأكد عيد أن السبيل الوحيد للخروج من الأزمة وبقاء الطبقة المتوسطة هو زيادة الناتج القومي الإجمالي عن طريق زيادة الإنتاج المحلي وتخفيض الفاتورة الاستيرادية، مع تخفيض الإنفاق على المشروعات القومية، لافتًا إلى أنها مشروعات إيجابية ولكن عوائدها طويلة الأجل، مطالبًا بتحقيق التوازن عن طريق ضخ استثمارات تزيد من الإنتاج المحلي بشكل سريع، مؤكدًا أن الإكتفاء الذاتي يحد من ارتفاع الأسعار بشكل كبير.

 

تخفيض بند خدمة الدين


 وشدد عيد على ضرورة عدم التوجه الحكومي للحصول على قروض جديدة، وتخفيض بند خدمة الدين الذي يلتهم كل عام - على مدار الـ 3 سنوات الماضية - ما يقرب من 80% - 85% من إيرادات الموازنة العامة للدولة، مؤكدًا أن هذا هو العائق لأكبر أمام الاقتصاد المصري، وهو الحاجز بين المواطن المصري ابن الطبقة المتوسطة والشعور بالأداء الجيد للحكومة.


رفع الناتج القومي الإجمالي


 ونادى مساعد رئيس حزب "العدل" للشؤون الاقتصادية إلى الاحتذاء بالنموذج التركي، إذ دعمت تركيا كل بند في الناتج القومي الإجمالي للدولة عن طريق إعادة هيكلته، من خلال استثمارات مباشرة قصيرة الأجل ذات مردود سريع على مؤشرات الاقتصاد، حيث أثبتت التجربة نجاح هذا النموذج. 

 

 واختتم حديثه: "بدأت الدولي في اتخاذ بعض الإجراءات التي من شأنها أن تحد من حدة الأزمة، مثل: توفير الدولار بشكل سريع، وإتاحة التمويل اللازم لبعض مشروعات التمويل المباشر ، مما أدى إلى ارتفاع طفيف في الناتج القومي الإجمالي حتى الربع الثاني من العام المالي، مما قد يخف الضغط على الطبقة المتوسطة".

تم نسخ الرابط