مما لاشك فيه أن الطبيعة البشرية مبنية على التواصل والاقتراب ، وخلق الانسان فى الأصل كان آدم وحواء ومنهما جاءت البشرية جمعاء ، وهذا جعل الحياة تسير فى الطبيعى مقسمة فيها المشاعر والمشاكل والافراح والأطراح بين إثنين أو أكثر ، وعندما تخرج الطبيعة عن المالوف ويحدث الفراق تتغير صورة الحياة وطريقة العيش فيها بعد ماحدث من فراق وإفتراق . فراق الأحباب لايعنى بالضرورة حبيب وحبيبة أو زوج وزوجة ؛ الفراق بمعناه الأشمل يتسع لكل أنواع الفراق والبعد والابتعاد . فراق الأحباب يحدث فى تلك اللحظة التى لاتجد فيها من صار معك منذ البدايات وفجأة افترق عنك وابتعد ، وليس الموت وحده هو من يقوم بهذه المهمة ولكن فراق من لايزال على قيد الحياة نوع متعب من الفراق فهو ذلك النوع الذى يجعل ممن كان لك حياة قد أصبح فى وضعية الغريب البعيد رغم كونه قريبا فى المكان أو الزمان . فراق الأحباب أصعبه وأشد تأثيرا بل ربما زلزلة لحياتك كلها هو فراق الابن أو بمعنى أصح وفاته وانتقاله الى العالم الآخر وأنت كنت تحلم معه وله بدنيا سعيدة مديدة وتدخر له كل مالديك وتحلم بأن تحقق بهذه المدخرات آماله وأحلامه . فراق الابناء وأمهم على قيد الحياة أكبر إمتحان من الله سبحانه للمرأة فى حياتها الدنيوية لأن كل الآلام يداويها الزمان إلا فقد الابن ؛ فهو ذلك النوع من الألم الذى يزيده الزمان سخونة ووجعا وألما ؛ ففى كل ركن من أركان حياة الأم هناك مكان للابن المفقود ، وفى كل صباح ومساء وظهيرة وليلا تهجم الذكريات وتتحدث وتسير الى مواقف وضحكات وبكاء وحديث طويل أو قصير وهدية وبسمة وزعل وكل شىء صار وحدث مع الأم وفقيدها . الزمان يداوى كل أنواع الفقد الا فقد الابناء فالزمان يريد من الأم دوما ألا تفارق حزنها فيزيدها وجعا بالذكريات وألما بالمواقف وأنيتا باجبارها على قبول واقع أن إبنها لم يعد موجودا وبأنه صار مفقودا للأبد . الزمان يرمم جروح المفقودين الا جراح الام التى فقدت إبنها فهو يستوصى بها خيرا ويجعلها تذرف دما فى المناسبات بصفة خاصة باعادة ذكرياتها فى هذه المناسبات مع فقيدها وكم كان حنونا عليها رؤوما بها وكم كان يفكر فيها ويسعى دوما لاسعادها ، الزمان لايكتفي بذلك بل يزيدها من رصيده المحزن لها بأن تحضر أفراح أقران إبنها وتتحسر على كونه ليس ذلك العريس فى هذه الحفلة والكوشة كما تسمى . كل الاحزان تلتئم بمرور الوقت الا الحزن العميق على فقد الأبناء فهو يتسع ويتمدد مع الوقت ليصل لمرحلة الانتشار والتفشي ليجعل الأم تنتظر بتر حياتها وترحب بالموت لأنه المنقذ من الألم الذى إن أظهرته رأت نظرات الاشفاق عليها وإن كتمته مرضت .. كل الاحزان مثل الليل يأتى النهار فيمحيها الا فقد الأبناء فالحزن فيها يشبه ليل شتوى ملبد بالغيوم الحزينة وحتى أن جاء صباحه فهو يشبه ليله حزين لايبشر بخير.