ملتقى الأزهر: رِقة قلب أبي بكر لم تُضعفه بل صنعت منه رجلًا بأمَّة
عقد الجامع الأزهر، مساء الأربعاء، ملتقى السيرة النبوية في حلقته الثامنة والثلاثين، لمناقشة موضوع: «من مواقف أبي بكر الصديق رضي الله عنه في حياة النبي ﷺ»، وذلك بمشاركة أ.د السيد بلاط، أستاذ ورئيس قسم التاريخ والحضارة الإسلامية بكلية اللغة العربية سابقًا، وأ.د نادي عبد الله محمد، أستاذ الحديث وعلومه بكلية الدراسات الإسلامية والعربية بالقاهرة، فيما يدير اللقاء الشيخ إبراهيم حلس، مدير إدارة الشؤون الدينية بالجامع الأزهر.
مواقف أبي بكر الصديق تدعو إلى الاقتداء بثباته وإخلاصه ويقينه
أكّد الدكتور السيد بلاط أن لسيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه مواقف خالدة في نصرة النبي ﷺ، مواقفَ كُتبت بمداد من ذهب في تاريخ الدعوة. فمنذ اللحظة الأولى لظهور الدعوة في مكة، واجه النبي ﷺ موجة واسعة من الافتراءات والتهم؛ إذ رماه المشركون بالكذب والسحر والجنون والكهانة، في محاولة لصرف الناس عنه وتشويه رسالته. وكان أبو بكر أول من يتصدى لهذه الدعاوى، قائلاً لقريش: «ما جربنا على محمد الكذب قط»، ومؤكدًا أن ما جاء به النبي ﷺ هو وحي ومعجزة لا يشبه الشعر ولا السحر ولا الكهانة.
وأوضح أن دفاع أبي بكر عن النبي ﷺ لم يقتصر على الردود العلمية والمعنوية، بل تجاوزه إلى المواقف العملية الشجاعة؛ إذ كان يقف سدًّا منيعًا أمام الأذى الجسدي الذي يتعرض له رسول الله ﷺ. فحين خنق عقبةُ بن أبي معيط النبيَّ عند الكعبة حتى كاد يُغشى عليه، كان أبو بكر هو الذي اندفع ليخلّصه من بين أيديهم، وهو يردد قوله تعالى: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾، في مشهد يجسد صدقه وإيمانه وثباته على الحق.
كما بيّن أ.د بلاط أن أبو بكر ظل ملازمًا للنبي ﷺ في أشد المواقف خطرًا، ومنها يوم بدر؛ حيث جعل المشركون همّهم الوصول إلى رسول الله ﷺ داخل العريش الذي أُقيم له لإدارة المعركة، فوقف الصديق رضي الله عنه أمام بابه، شاهِرًا سيفه، يقسم بالله ألا يقترب أحد من رسول الله ﷺ إلا قطع دونه الطريق. وهكذا اجتمع لأبي بكر الدفاع المعنوي والحسي، وكان خيرَ صديقٍ لخير نبي، ونموذجًا فريدًا في الوفاء والنجدة والصدّ عن الإسلام ورسوله.
من جانبه، تحدّث الدكتور نادي عبد الله عن ملامح شخصية سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه، موضحًا أن شخصيته الفذة لم تكن نتاج قوة مادية أو نفوذ اجتماعي، وإنما ثمرة صفاء داخلي وإيمان راسخ يُنير القلب قبل الجوارح. واستشهد فضيلته بقول النبي ﷺ في مرضه الأخير: «مُروا أبا بكر فليصلِّ بالناس»، معتبرًا هذه الشهادة النبوية دليلًا قاطعًا على أن أعظم مقام في الأمة بعد رسول الله كان للصديق دون منازع. ولفت إلى وصف السيدة عائشة لأبيها بأنه رجل «أسيف»؛ رقيق القلب، شديد البكاء عند تلاوة القرآن، لطيف المعاملة، وهي صفات تبدو للوهلة الأولى رِقَّة، لكنها في حقيقتها ركيزة من ركائز القوة الإيمانية التي بُنيت عليها شخصية أبي بكر في أحلك اللحظات من تاريخ الدعوة.
وأوضح أن هذه الرقّة لم تكن ضعفًا بل كانت مصدرًا لطاقة روحية متدفقة؛ صنعت من أبي بكر رجلًا ثابتًا في المواقف التي اهتزت لها أفئدة الرجال. فالشجاعة –كما بيّن– ليست صخب القوة الظاهرة ولا كثرة البطش، وإنما هي القدرة على اتخاذ الموقف الحقّ منذ اللحظة الأولى دون تردد، وقد ظهر ذلك جليًا حين صدَّق الصديق بالنبي ﷺ فور سماع الدعوة، دون أن تتجاذبه الشبهات أو الأهواء أو الضغوط، لأنه كان يمتلك يقينًا داخليًّا لا تشوبه شائبة، وقلبًا مستعدًا للتسليم للحق حين يتبين. وهذا الثبات المبكر كان من أقوى دلائل أصالته الإيمانية.
وأضاف أن سرّ سبق أبي بكر للأمة لم يكن في كثرة صلاته أو صيامه رغم فضله فيهما، وإنما فيما وقر في قلبه من إخلاص ويقين، مستشهدًا بقول النبي ﷺ: «ما سبقكم أبو بكر بكثرة صلاة ولا صيام، ولكن بشيء وقر في قلبه». وأكد أن بناء الشخصية الإيمانية يبدأ من الداخل، من تطهير القلب من الريبة والشهوة والفتنة ليكون وعاءً يتلقى عن الله ورسوله بصفاءٍ وخشوع، وهو الدرس الذي تقدّمه سيرة الصديق لكل مسلم في كل عصر؛ أن يقين القلب هو أساس الرسوخ، وأن الثبات على المبادئ هو الطريق لصناعة الرجال الذين يحملون رسالة الحق للعالم.
وفي ختام الملتقى، أكد الشيخ إبراهيم حلس، مدير الحوار، أن الحديث عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه حديث عن الصدق في أعلى مراتبه، فالصديق هو أول من جعل الشدائد آيةً على صدق رسول الله ﷺ، كما فعل المؤمنون يوم الأحزاب حين قالوا: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللّهُ وَرَسُولُهُ﴾. وبيّن فضيلته أن مكانة أبي بكر في قلب النبي ﷺ ظهرت في مواقف كثيرة، منها قول النبي ﷺ: «ألا تركتم لي صاحبي»، حين صدّقه الناس وكذّبه غيره. وأضاف أن لقب «الصديق» لم يكن مجرد وصف، بل حقيقة تجسدت في حياته كلها، إذ كان أول من صدّق الوحي، وأول من وقف مع النبي ﷺ في ساعات الشدة والرخاء، وهو عتيق الله من النار كما جاء في الأحاديث. وختم فضيلته بالتأكيد على أن دراسة مواقف الصديق ليست سردًا تاريخيًا، بل دعوة إلى الاقتداء بثباته وإخلاصه ويقينه، وهي القيم التي يحتاجها المجتمع اليوم أكثر من أي وقت مضى.




