في زمن ليس ببعيد، كان للكلمة وزنها، وللابتسامة سحرها، وللشهامة مكانتها التي ترفع صاحبها في أعين الناس.
كنا نرى حلاوة اللسان وعذوبة الرد، ورقة الطباع ونقاء المواقف، كأنها أشياء طبيعية تولد معنا وتزين مجالسنا.
لم يكن الصوت العالي وسيلة لإثبات الذات، ولم تكن الفظاظة منهجا للتعامل، بل كان هدوء الطبع دليل قوة وحكمة، ولين الكلمة انعكاس رجولة وكرم.
أما اليوم، فقد تغيرت الموازين، صارت الفجاجة جرأة، والصوت المرتفع دليلا على القوة، والبذاءة تُقدم أحيانا على أنها خفة ظل، بينما هي في حقيقتها تآكل أخلاقي يجعل من القبح عادة، ومن الوقاحة أسلوبا، ومن الغلظة عنوانا.
أين ذهبت لمة الأسرة حول المائدة؟ وضحكة الجد التي تجمع العائلة؟ وحكايات الجدة التي كانت تنسج الدفء في ليالي الشتاء؟ أين دلال الأب واحتواء الأم؟ وأين ضاع حسن الجيرة الذي كان يجعلنا نشعر أننا نعيش في بيت واحد حتى لو فرقتنا الجدران؟
أين سمو الدراما الاجتماعية التي كانت تربي قبل أن تسلي، وتهذب قبل أن تضحك؟ وأين ذهبت لمة النادي العائلية التي تصلح الخطأ بالمحبة لا بالقسوة؟
أين ذهب احترام الكبير الذي كان تاجا فوق الرؤوس، وتقدير الصغير الذي كان يزرع الثقة ويعلمه معنى المكانة؟
أين ذهبت المودة بين الزوجين وجمال العشرة الذي كان يذيب الخلافات، واحتواء الأبناء لا قمعهم، وتبجيل المعلم لا السخرية منه، وتقدير المجتهد لا إطفاء نوره، ومكافأة المتميز لا محاربته؟
أين وقار الرجل وهيبته، ورقة الأنثى وحياؤها؟ كان الرجل في الماضي مهابًا دون قسوة، وقورا دون غلظة، مسؤولا على قدر المسؤولية، وكانت الأنثى جميلة بلا تكلف، تتدلل بلا ابتذال.
كانت الملابس أنيقة بلا غلو، وكانت المعاكسات كلمات إطراء لا بذاءات، فأين ذهبنا؟ وأين ذهبت الأخلاق التي كانت سياج المجتمع وضمانته؟
لقد غابت التربية على القيم الأساسية: احترام الكبير، تقدير الصغير، قوة الحجة لا حدة الصوت، واستبدلت ثقافة الاعتذار بالغطرسة التي وسعت الخلافات بدل أن تطفئها.
لماذا هناك إصرار على قتل ما هو جميل؟
هل أضعنا البوصلة حين استبدلنا الدفء بالبرود، والاحترام بالاستهزاء، والقدوة بالسطحية، والدراما الهادفة بالصخب الفارغ؟ هل ركضنا وراء الحداثة حتى فقدنا أنفسنا؟ لماذا أصبحت الشرشحة دليلا على القوة، والرقي مثالا للضعف؟ لماذا استبدلنا الجمال بالقبح؟
الجواب ليس صعبا، نحن من تركنا الأبواب مشرعة للسطحية أن تغزو بيوتنا، ونحن من تخلينا عن دورنا في التربية والقدوة، لم نعد نحتفي بالقيم كما كنا، ولم نعد نكافئ الجمال، بل صرنا نسمح للقبح أن يتصدر المشهد.
وزاد الأمر سوءا مع انفجار وسائل التواصل الاجتماعي التي أتاحت للصوت العالي والردود الجارحة أن تنتشر بلا حساب ولا خجل.
لكن القصة لم تنته بعد.. فالمجتمع يمكن أن يعود كما كان، إذا بدأنا من جديد بإحياء التربية الأخلاقية: أن نعلم أبناءنا أن الرجولة في الشهامة لا في الفظاظة، أن نذكر أنفسنا أن الكلمة الطيبة صدقة، وأن الرد اللين يكسر حدة الغضب، أن نعيد الاعتبار للهدوء، للرقي في الحديث، ولثقافة الاستماع قبل الصراخ.
ما زال الأمل باقيا… المجتمع لا يموت طالما فيه من يسأل: "أين ذهب الجميل؟"
فالسؤال في ذاته مقاومة، والحنين إلى القيم بذرة يمكن أن تنبت من جديد، إذا بدأنا من بيوتنا: من احترامنا لبعضنا، من جلسة أسرية دافئة، من كلمة شكر لمعلم أو أب، من احتواء ابن أو بنت، حينها فقط نستطيع أن نعيد ما فقدناه.
فالمجتمع لا يقوم بالصوت العالي ولا بالدراما الصاخبة، بل يقوم على التقدير والاحترام والإنسانية.
القلب ما زال يعشق كل جميل، والجمال لم يمت، هو فقط يختبئ في صدورنا، ينتظر من يزيح عنه غبار القبح، ويمنحه حقه في الحياة من جديد.
ولعل السؤال الحقيقي ليس: من سرق الجمال؟ بل: متى سنجرؤ على استعادته؟