عاجل

توسيع الانخراط: ملامح ومقومات الدور الأذربيجاني في الشرق الأوسط

تعبيرية
تعبيرية

أرادت جمهورية أذربيجان حجز مقعدها كقوة إقليمية فاعلة على طاولة مستقبل منطقة الشرق الأوسط التي تشهد إعادة ترتيب موازينها، ضمن مساعيها لتوسيع نفوذها إلى ما وراء حدود القوقاز، في خروج عن الدبلوماسية الأذربيجانية التقليدية التي ركزت سابقًا بشكل أساسي على جنوب القوقاز وصادرات الطاقة، وفي ملمح يؤكد الاندماج المتزايد بين الشرق الأوسط وجنوب القوقاز. 

ووفقًا للمركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، يمثل هذا التوجه انعكاسًا مباشرًا للمتغيرات البنيوية في البيئة الإقليمية للمنطقتين، فقد أتاح الانتصار الحاسم لباكو في حرب كاراباخ الأخيرة، إلى جانب تداعيات الحرب الروسية -الأوكرانية والحرب القصيرة بين إسرائيل وإيران، إعادة صياغة موازين القوى في القوقاز لصالح ترجيح كفة أذربيجان، وأضعف موقع إيران وأرمينيا، وأدى إلى انحسار ملموس للنفوذين الروسي والإيراني في المنطقتين، بحيث لم تعد أذربيجان مضطرة إلى اتخاذ موقف دفاعي أمام إيران، أو البقاء ضمن نطاق النفوذ الروسي بوصفه أداة للتحوط إزاء تحالف طهران – يريفان.

وهو ما أتاح لباكو هامشًا أوسع من حرية الحركة في رسم توجهاتها الخارجية، ومن ثم أولت اهتمامًا متزايدًا بالشرق الأوسط باعتباره مجالًا حيويًا لتعزيز دورها الإقليمي، بعد أن اقتصر حضورها فيه طوال العقود الثلاثة الماضية على الروابط الاستراتيجية الثنائية مع تركيا وإسرائيل، دون انخراط واسع في قضاياه وتوازناته. وعليه، نناقش فى هذا التحليل مقومات وملامح الدور الأذربيجاني في الشرق الأوسط.

مقومات الدور

لعبت مجموعة من المقومات لصالح تأهيل أذربيجان لدور إقليمي أوسع في منطقة الشرق الأوسط، والتي يتم استعراضها على النحو التالي:

• غياب البُعد الأيديولوجي في السياسة الخارجية: رغم غلبة الطائفة الشيعية على التركيبة الدينية لدولة أذربيجان، غير أنها تبنت نموذجًا علمانيًا منذ حصولها على الاستقلال عام 1991، انعكس على سياستها الخارجية التي خلت من مظاهر الأدلجة وفضلت النهج البراجماتي؛ الأمر الذي مثل عامل قوة مكَّنها من التنقل بسلاسة ومرونة بين المتناقضات، والعمل كجسر دبلوماسي بين الأطراف المتعارضة أيديولوجيًا؛ إذ رسخت مكانتها كشريك استراتيجي لتركيا السُنية، وواحدة من أهم حلفاء إسرائيل الإقليميين، بينما احتفظت بعلاقات متوترة مع إيران الشيعية، وتوظف حاليًا علاقاتها الإيجابية بتركيا وإسرائيل وقربها الاستراتيجي من الغرب كبوابة لعميق أدوارها في قضايا الشرق الأوسط.

• الأهمية الاستراتيجية لموقعها الجغرافي: يكتسب الموقع الجغرافي لأذربيجان أهمية استراتيجية بالغة بالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط لاعتبارات متعددة؛ حيث تعتبر حلقة وصل طبيعية بين بحر قزوين الغني بموارد الطاقة والأسواق الاستهلاكية الرئيسية، بما في ذلك دول شرق أوسطية مثل إسرائيل وسوريا التي حصلت على الغاز الأذربيجاني مؤخرًا؛ أي أنها تُشكل ممرًا جغرافيًا محوريًا لخطوط أنابيب النفط والغاز؛ الأمر الذي يُمكنَّها من التأثير في مسارات الإمداد وتنويع خيارات التصدير للدول المحيطة. علاوة على أن تجاورها الجغرافي المباشر مع الحدود الإيراني، رفع من أهميتها الجيوسياسية وقيمتها الأمنية والعسكرية في الحسابات الاستراتيجية لإسرائيل؛ إذ تنظر الأخيرة إلى موقعها باعتباره منصة محتملة للضغط على طهران ومراقبة نشاطها الإقليمي وتطويقها عبر بناء شبكات نفوذ في محيطها المباشر.

• دبلوماسية الطاقة عبر شركة سوكار: لم تعد شركة النفط الوطنية الأذربيجانية “سوكار” مجرد كيان اقتصادي، بل تمثل أداة في يد باكو لتوسيع نفوذها الجيوسياسي وتفعيل سياستها الخارجية عبر شبكات الطاقة من خلال طرح نفسها كشريك استثماري في مشروعات الطاقة بالشرق الأوسط. وفي هذا السياق، دأبت سوكار على ترسيخ حضورها في شرق المتوسط، ولعل من ملامحه الرئيسية استحواذها على حصة في حقل غاز تمار الإسرائيلي، وفي يونيو 2025، استكملت الشركة شراء حصة غير مباشرة بنسبة 10% من خلال دمج أسهم في شركة يونيون إنرجي (التي تمتلك 48.3% من أسهمها) وحصة أقلية في شركة تمار بتروليوم (17.9%). وقد منحت هذه الصفقة سوكار وصولًا مباشرًا إلى الإنتاج في أكبر حقل غاز إسرائيلي، وتُقدر إيراداتها من المشروع بنحو 715 مليون دولار لعام 2024، كما أنه يمنحها خبرات جديدة في تقنيات الحفر البحري المتطورة يُمكن الاستفادة منها في بحر قزوين.

ومن جهة أخرى، تُعد سوكار أكبر مستثمر أجنبي في تركيا، بإجمالي استثمارات يتراوح بين 18.5 و20 مليار دولار منذ عام 2008؛ حيث تمتلك نسبة 58% من شبكة أنابيب “تاناب”، و25% من خط أنابيب باكو–تبليسي–جيهان، و16.7% من خط أنابيب جنوب القوقاز. كما تمتلك 60% من مشروع مصفاة “ستار” في إزمير التي تبلغ طاقتها الإنتاجية نحو 200 ألف برميل يوميًا، ويعد ثاني أكبر استثمار أجنبي بترولي في تركيا ويقدر بـ 6.3 مليار دولار. كذلك، استحوذت على 51% من مجمع “بيتكيم” للبتروكيماويات في إزمير عام 2008 باستثمارات تفوق 2 مليار دولار، ثم ضخت لاحقًا استثمارات إضافية بقيمة نحو 1.6 مليار دولار لتحديث الإنتاج، وتعتزم تنفيذ مشاريع جديدة لتوسعة قدرة الإنتاج البتروكيماوي بمبلغ إضافي يقدر بحوالي 7 مليارات دولار عام 2026. وحصلت سوكار على حصة 3% من امتياز حقلي صرب وأم اللؤلؤ بالإمارات في مايو 2024، وتتطلع إلى مناطق استكشاف بحرية بالقرب من لبنان، والمشاركة في مناقصات حول قبرص. 

• تحالف أنقرة – باكو الاستراتيجي: شكَّل التحالف التركي الأذربيجاني القائم على فلسفة “أمة واحدة – دولتان” مدخلًا لتعميق الانخراط الأذربيجاني في الشرق الأوسط مستفيدة من عدة مقومات منها؛ تحسن علاقات تركيا مع غالبية الأطراف العربية وبالأخص الخليجية، ونفوذها المهيمن على الحكومة السورية الجديدة، إضافة إلى امتلاكها شبكة بنية تحتية ضخمة لنقل الغاز الطبيعي، تجعلها لا تعمل فقط كجسر لنقل غاز حوض شرق المتوسط ووسط آسيا إلى أوروبا، بل أيضًا نقل غاز آسيا الوسطى إلى الشرق الأوسط. 

وفي هذا الإطار، يُقرأ الانخراط الخليجي المتنامي في جنوب القوقاز، في أحد أبعاده، كامتداد لمسار الشراكة الخليجية التركية، فمن ناحية، تُشكل أنقرة بوصفها الحليف الاستراتيجي الأوثق لباكو القناة الأساسية التي يمر من خلالها الحضور الخليجي في المنطقة، ومن ناحية ثانية، يكتسب الأخير زخمًا إضافيًا من تلاقي المصالح الخليجية – التركية في مناطق أخرى من غرب آسيا، بما في ذلك الساحة السورية. وبخصوص هذه الأخيرة، لعبت تركيا دورًا رئيسيًا في الانفتاح الأذربيجاني على الإدارة السورية الجديدة عقب سقوط الأسد، وفي تنسيق اتفاقية تصدير الغاز الموقعة في 12 يوليو. 

ملامح الدور

أهلت المقومات السالف ذكرها أذربيجان لتعزيز انخراطها في الشرق الأوسط، والذي اتخذ عدة ملامح نستعرضها على النحو التالي: 

• تزويد بعض دول المنطقة بموارد الطاقة: تعمل أذربيجان على رفع مكانتها الإقليمية في الشرق الأوسط وتقديم نفسها كشريك موثوق في السياسة الخارجية من بوابة تأمين إمدادات الطاقة لبعض دوله؛ إذ بات يُنظر إلى توفير الطاقة كأداة أساسية للقوة الناعمة في العلاقات الدولية الحديثة. ولعل إسرائيل المثال الأبرز على ذلك؛ حيث يُعد الخام الأذربيجاني المستخرج من حقول آذري وجيراق وجونشلي في بحر قزوين، أحد المصادر الرئيسية التي تعتمد عليها تل أبيب لتأمين احتياجاتها من الطاقة، والذي يُنقل عبر خط أنابيب “باكو – تبليسي – جيهان” وصولًا إلى ميناء جيهان التركي على المتوسط، قبل تحميله على الناقلات المتجهة إلى ميناء أشكلون. ومن هناك يتم ضخه عبر شبكة خط الأنابيب الأوروبي – الآسيوي لتغذية مصافي حيفا وأشدود. وتشير البيانات إلى أن أذربيجان وفرت نحو 28% من واردات إسرائيل النفطية بين أكتوبر 2023 ويوليو 2024، بما يعادل 8.4 مليون برميل بمعدل يومي بلغ 32 ألف برميل.

خريطة 1 – توضح خطوط نقل الغاز والنفط الأذربيجاني
خريطة 1 – توضح خطوط نقل الغاز والنفط الأذربيجاني

وجاءت الخطوة الأحدث في 12 يوليو الفائت، عندما وقعت أذربيجان وتركيا وسوريا اتفاقية طاقة ثلاثية، لنقل حوالي 1.2 مليار متر مكعب من غاز حقل شاه دنيز الأذربيجاني، إلى سوريا عبر خط “كيليس – أعزاز – الباب-حلب” الذي أعادت تركيا تأهيله وافتتاحه خلال العام الجاري 2025، مرورًا بخط جنوب القوقاز “باكو- تبليسي – أرضروم” وخط الأنابيب العابر للأناضول “تاناب”، وقد دخلت الاتفاقية حيز النفاذ فعليًا في 2 أغسطس الجاري؛ مما يُوسّع بشكل كبير دور باكو في مشهد الطاقة بالمنطقة؛ إذ قد يجعل موقع سوريا الجيواستراتيجي منها دولة عبور رئيسية للغاز الأذري إلى مزيد من دول المنطقة حال استكمال الجزء السوري الواصل إلى تركيا من مسار خط الغاز العربي، وتتمثل جوهر استراتيجية سوكار في تحويل سوريا إلى مشترٍ ودولة عبور للغاز، ومن ثم رفع الثقل السياسي لأذربيجان في المنطقة، وزيادة القدرة التنافسية للغاز الأذربيجاني خارج السوق الأوروبية.

• قيادة أدوار وساطة: أرادت أذربيجان استثمار موقفها المحايد ونهجها البراجماتي غير الأيديولوجي، لتقديم نفسها كوسيط موثوق ومنصة حوار محايدة وجديرة بالثقة بين الأطراف الشرق أوسطية المتنافسة والمتنافسة؛ إذ استضافت عدة جولات محادثات بين وفود تركية وإسرائيلية بهدف إنشاء آلية تنسيق عسكري مشتركة لمنع وقوع اشتباكات عرضية في سوريا، وإجراء تفاهمات بشأن تقاسم النفوذ، كما استضافت مباحثات سورية إسرائيلية عنيت بمعالجة المخاوف الأمنية لتل أبيب في سوريا، والتمهيد لإبرام اتفاق أمني بين الجانبين. 

وتسعى باكو عبر تلك الجهود إلى الوقوف في منطقة وسط بين شركائها الشرق أوسطين، بما يضمن تأمين نفوذها ويجنبها التعرض لضغوط أحد الأطراف، كذلك تخدم هذه التحركات أهداف سياستها الخارجية تجاه إيران، لا سيَّما أن الاستراتيجية الأذربيجانية تجاه سوريا تتوافق بدرجة كبيرة مع الخطط الإقليمية الإسرائيلية، فيما يتعلق بإعادة ترتيب الخرائط الجيوسياسية في الشرق الأوسط من خلال إضعاف النفوذ الإيراني، وتفكيك محور “روسيا – إيران – أرمينيا”.

• الشراكة الأذربيجانية الإسرائيلية في مواجهة إيران: احتفظت أذربيجان بعلاقات ودية مع إسرائيل منذ استقلالها عام 1991، وقد باتت شراكة أذربيجان العسكرية مع إسرائيل حجر الزاوية في استراتيجيتها الدفاعية؛ حيث زودتها تل أبيب بمنظومات متقدمة مثل المُسيرات وأنظمة الدفاع الصاروخي والقدرات السيبرانية المتقدمة، وهي التقنيات التي لعبت دورًا حاسمًا في تفوقها العسكري على أرمينيا خلال حرب كاراباخ. إضافة إلى التعاون المتنامي في مجال الاستخبارات السيبرانية الذي تعزز بإنشاء مركز للأمن السيبراني في باكو، بالتعاون مع معهد التخنيون الإسرائيلي، في مارس 2023. 

وبلغ مستوى التنسيق الاستراتيجي بين البلدين إلى الحد الذي أفادت معه بعض التقارير بأن الاستراتيجيين الرئيسيين الذين يعملون وراء الكواليس في السياسة الأذربيجانية منذ عام 2003 كانوا مستشارين سياسيين مدعوين من إسرائيل، وأن الأخيرة تقدم الدعم الفني والاستشاري لهياكل الأمن الحكمومية الأذربيجانية، وخاصة جهاز الأمن الرئاسي، كما تدعم الشركات الإسرائيلية البنية التحتية الأمنية وقطاع الأمن السيبراني في أذربيجان. ويعمق هذا التوافق الاستراتيجي علاقات قوية في مجال الطاقة؛ إذ تزود ​​أذربيجان إسرائيل بنسبة كبيرة من احتياجاتها النفطية؛ مما يضمن سوقًا موثوقةً للصادرات الأذربيجانية، ويلبي متطلبات أمن الطاقة الإسرائيلية.

ويُعد التعاون العسكري والاستخباراتي الوثيق ضد خصمهما المشترك، إيران، أساس العلاقات الثنائية، فالقرب الجغرافي من الحدود الإيرانية يسهل أنشطة المراقبة والاستخبارات وجمع المعلومات بشأن الأوضاع الأمنية والعسكرية الداخلية، كما يتيح منصة محتملة للعمليات العسكرية الإسرائيلية ضد إيران. وقد أظهرت حرب الأيام الاثني عشر الأهمية الجيوسياسية للتحالف الأذربيجاني الإسرائيلي بالنسبة للأخيرة، فرغم نفي باكو لتورطها بتعاون استخباراتي أو عسكري مع إسرائيل خلال الحرب وتبنيها خطاب رسمي حيادي تجنب توجيه الاتهامات لأي طرف داعيًا إلى التهدئة، فإن تقارير أشارت إلى قيامها بدور في إمداد إسرائيل بالمعلومات الاستخباراتية، وتسهيل دخول مسيرات إسرائيلية إلى إيران عبر مجالها الجوي، وذلك انطلاقًا من الرغبة المشتركة لدى البلدين في خنق طهران جيوسياسيًا.

• الانفتاح على سوريا ما بعد الأسد: بعد اثني عشر عامًا من القطيعة الدبلوماسية التي ارتبطت أساسًا بالتعاون الوثيق بين سوريا وأرمينيا، وجدت باكو في التحولات الجيوسياسية المرافقة لسقوط نظام بشار الأسد فرصة لإعادة فتح صفحة جديدة في علاقاتها مع دمشق. فقد سعت أذربيجان إلى تقديم نفسها شريكًا محتملًا للحكومة السورية الجديدة التي ابتعدت عن طهران، ويُنظر إلى هذا التوجه باعتباره حلقة في سلسلة التحركات الأذربيجانية لتشكيل جبهة معادية لإيران في المناطق المحيطة وعزلها داخل حدودها الجغرافية وقطع امتداداتها الإقليمية.

وفي الوقت ذاته، رأت باكو في هذا الانفتاح مدخلًا لتوسيع شبكة علاقاتها مع أطراف شرق أوسطية إضافية، والانخراط في مشاريع البنية التحتية للطاقة وإعادة الإعمار، في وقت تبحث حكومة دمشق عن شركاء لمرحلة التعافي الاقتصادي، وتتطلع إلى جذب استثمارات شركة سوكار في قطاع النفط والغاز. ولهذا، سارعت أذربيجان نحو إرسال شحنات مساعدات إنسانية إلى سوريا في ديسمبر 2024 ضمت 200 طن من المواد الغذائية والإمدادات الأساسية، وأعادت فتح سفارتها في دمشق في 17 فبراير 2025، بالتوازي مع سلسلة من الزيارات الدبلوماسية المتبادلة والاجتماعات الثنائية على مستويات متعددة، أهمها زيارة الشرع لباكو في 12 و13 يوليو الفائت.

• توسيع التعاون الأذربيجاني الخليجي: كانت أذربيجان إحدى دول جنوب القوقاز الرئيسية التي اتجهت دول الخليج لتوسيع التعاون معها في إطار مساعيها لوضع نفسها في قلب العقد اللوجيستية العالمية الرابطة بين آسيا وأوروبا والشرق الأوسط. وقد لعب قطاع النفط والغاز والطاقة النظيفة دورًا محويًا في هذه الشراكة؛ إذ استحوذت شركة بترول “أبو ظبي” الوطنية “أدنوك” على حصة 30% من حقل غاز أبشيرون الأذربيجاني في بحر قزوين، وتطور شركة أكوا باور السعودية مزرعة رياح أذربيجانية باستثمارات تبلغ نحو 300 مليون دولار. 

كما تشارك شركة مصدر، عملاق الطاقة الخضراء الإماراتية، في عملية تحول الطاقة بأذربيجان، ولعل أبرز مشاريعها بناء محطة قاراداغ للطاقة الشمسية بقدرة 230 ميجاوات التي دخلت مرحلة التشغيل عام 2023، ومواصلة بناء محطة رياح أبشيرون – قاراداغونشور بقدرة 240 ميجاوات، ومحطتي نفتشالا للطاقة الشمسية بقدرة 315 ميجاوات وبيلاسوفار بقدرة 445 ميجاوات، وذلك ضمن مساعيها الأوسع لتنويع اقتصادها القائم على تصدير النفط عن طريق وضع نفسها كلاعب رئيسي في سوق الطاقة المتجددة، من خلال الإسهام في بناء ممر الطاقة الخضراء الأوروبي بحر قزوين – البحر الأسود، الذي سينقل الكهرباء المنتجة من مزارع الرياح في بحر قزوين إلى أوروبا. 

علاوة على ذلك، تم إنشاء مشروع مشترك بقيمة مليار دولار، بهدف الاستثمار في قطاعات ذات أولوية ومصلحة مشتركة مثل الزراعة والتكنولوجيا والأدوية والبنية التحتية للطاقة بين شركة “أبو ظبي” التنموية القابضة (ADQ) وشركة أذربيجان للاستثمار القابضة (AIH). كما أُحرز تقدمًا في البنية التحتية الرقمية بين البلدين؛ حيث وقعت “أبو ظبي” وباكو عدة وثائق لتعزيز البنية التحتية الرقمية، مع التركيز على تطوير مراكز البيانات. وتوُّج التعاون بتوقيع الدولتين اتفاقية شراكة اقتصادية شاملة في يوليو 2025، بهدف تعزيز تدفقات التجارة والاستثمار، وتعزيز التعاون مع القطاع الخاص، وفتح فرص جديدة في قطاعات بما في ذلك الطاقة المتجددة والسياحة والخدمات اللوجستية والبناء، وتمكين الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم، وتبسيط سلاسل التوريد، وتعزيز التعاون الاقتصادي القائم على الابتكار. 

ختامًا، تتطلع باكو إلى أدوار أوسع في سياستها الخارجية على الساحتين الإقليمية والدولية، وتبرز منطقة الشرق الأوسط كإحدى ساحات ممارسة الدور الأذربيجاني، غير أن هذا الطموح لا يزال يواجه عدة تحديات منها؛ افتقار أذربيجان إلى موطئ قدم ديني وسياسي وثقافي راسخ في الشرق الأوسط بعكس إيران وتركيا، ومحدودية قدراتها العسكرية الخراجية، وضعفها الاقتصادي النسبي، علاوة على أن عملية إعادة إعمار سوريا التي تتطلع باكو لدور كبير فيها لا تزال هشة. ومع ذلك، تحاول أذربيجان التنقل بحذر في بيئة الشرق الأوسط المحفوفة بالمخاطر وتحقيق التوازن بين الأطراف المتعارضة، وتوظف في ذلك مجموعة من الأدوات مثل دبلوماسية الطاقة وأدوار الوساطة، وغيرها. ومن شأن التسوية النهائية للصراع مع أرمينيا وتنفيذ ممر ترامب للسلام والازدهار الدوليين، وفتح أسواق جديدة للطاقة والاستثمارات الأذربيجانية في الشرق الأوسط، أن يرفع من نفوذ باكو السياسي والاقتصادي في المنطقة.

تم نسخ الرابط