سوريا: الشرع والخيارات الصعبة فى مواجهة "قسد" و"الدروز"

شهدت سوريا على مدار شهرى يوليو وأغسطس 2025، عدة مستجدات تمثل أبرزها فى تطورين رئيسيين؛ الأول، يتعلق بحالة التوتر الشديد فى العلاقة بين الرئيس أحمد الشرع من ناحية وبين قوات سوريا الديمقراطية "قسد" من ناحية ثانية، بعد فترة من الهدوء النسبى بينهما فى أعقاب عقد اتفاق 10 مارس 2025.
أما التطور الثانى، فيتعلق بتجدد أحداث السويداء نتيجة لموقف بعض طوائف الدروز الرافض للوجود الأمنى لقوات الشرطة والجيش الحكومية فى مناطق داخل المحافظة بعد صدامات أمنية حادة نتجت عن مواجهات بين العشائر العربية وبين بعض الفصائل من الطائفة الدرزية والتى تعاملت معها القوات الحكومية السورية بقدر كبير من العنف فى استخدام القوة، خاصة وأنها شهدت انتهاكات وعمليات إعدام ميدانية طالت الأقلية الدرزية.
ووفقًا لمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، تعكس هذه التطورات مشهداً سياسياً وأمنياً شديد القتامة والصعوبة أصبح يواجه الإدارة السورية الجديدة برئاسة الشرع، ويقلل من هامش خياراتها بشأن سبل المواجهة وكيفية المعالجة من ناحية، ويفرض قيوداً داخلية وخارجية صعبة قد تدفعها إلى قبول خيارات "قاسية" بشأن الحفاظ على "مركزية الدولة " من ناحية ثانية.
تحركات "قسد": هل تنهى اتفاق مارس؟
فى 4 أغسطس 2025، شنت قوات سوريا الديمقراطية "قسد" هجوماً مدفعياً وصاروخياً على بعض نقاط قوات الأمن السورية فى إحدى قرى مدينة منبج بمحافظة حلب أسفر عن مقتل عدد من عناصر الجيش السورى، حيث أكد الأخير فى بياناته بشأن الحادث أن "قسد" تعمدت استهداف قواته أثناء تصديها لمحاولات تسلل من قبل بعض عناصرها المسلحة باتجاه نقاط عسكرية للجيش فى إحدى قرى مدينة منبج. ثم تجددت المواجهات بين الطرفين مرة أخرى صبيحة يوم 26 أغسطس 2025، فى محافظة دير الزور شرقى البلاد فى أعقاب استهداف "قسد" لقوات الجيش المتمركزة فى المحافظة بمسيرة انتحارية وفقاً لبيان حكومى.
كلتا المواجهتين تعكسان تطوراً لافتاً فى مسار العلاقة المتأزمة بين قوات الأمن السورية التابعة للإدارة الجديدة وقوات سوريا الديمقراطية، لاسيما وأن الطرفين تحكمهما بنود الاتفاق الأمنى الذى وقعه الرئيس أحمد الشرع، وقائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدى فى 10 مارس 2025، الأمر الذى يعنى أن مباغتة "قسد" لقوات الأمن الحكومية فى المرتين– فى حالة صدق رواية الجيش السورى - قد تؤشر إلى خرق الاتفاق، على نحو يضع مساراته التنفيذية عبر لجانه الأمنية المختلفة على المحك، وهو ما سيؤدى بالضرورة إلى تأخير متوقع فى تنفيذ كافة البنود التى كان مقرر لها أن تصبح قابلة للتنفيذ على الأرض بحلول نهاية عام 2025 الجارى.
ثمة من يُرجع ارتفاع وتيرة التوتر بين قوات الجيش السورى وبين قوات "قسد" مؤخراً إلى عدة أسباب؛ بعضها يشير إلى رغبة الرئيس أحمد الشرع بالإسراع فى تنفيذ بنود الاتفاق الأمنى – اتفاق مارس – بما يحدث قدراً من الاستقرار فى العلاقة بين الإدارة الجديدة وبين عموم المكون الكردى بطرفيه السياسى والعسكرى، بحيث ينعكس إيجاباً على حالة الاستقرار الأمنى فى الشمال السورى عامة والشمال الشرقى تحديداً، وهو ما سيعطى دافعاً قوياً نحو تنظيم الاستفادة المشتركة – إن جاز التعبير - من الإمكانات الاقتصادية التى تتولى الإشراف عليها الإدارة الذاتية للأكراد لاسيما النفط والموارد الزراعية، بما يعزز من دفع عجلة الاقتصاد السورى.
والبعض الآخر يفسر تجدد المواجهات بكونها نوعاً من الضغوط التى تمارسها "قسد" على إدارة أحمد الشرع رغبة منها فى الحفاظ على مطلبها "المؤجل"، والذى لم يتطرق اتفاق مارس إلى تحديده بصورة مباشرة؛ وهو الحفاظ على اندماجها فى قوات الجيش السورى عبر آلية موحدة وليست فى صورة فصائل متفرقة، مع الاحتفاظ بتواجدها الأمنى فى كافة مناطق الإدارة الذاتية كما هى مقابل السماح بدخول بعض قوات الأمن الحكومية لمناطق محددة متفق عليها. وفى سياق تلك الضغوط التى تمارسها "قسد" على الحكومة السورية، جاء عقد الإدارة الذاتية الكردية لمؤتمر الحسكة فى 9 أغسطس 2025 تحت عنوان "وحدة الموقف لمكونات شمال وشرق سوريا"؛ وهو المؤتمر الذى أدانته الحكومة السورية بعبارات شديدة اللهجة، كما أعلنت رفضها لمخرجاته، ويفسر هذا الرفض بطبيعة المشاركة فى المؤتمر حيث لم تكن قاصرة على المكونات الكردية فقط، وإنما تمت دعوة الزعيم الروحى لطائفة الدروز فى السويداء، حكمت الهجرى، كما تمت دعوة رئيس "المجلس الإسلامى العلوى" عبر مشاركة افتراضية بتقنية " الفيديو كونفرانس"، وهو ما اعتبرته دمشق نوعاً من "الاصطفاف الداخلى" بين قوى مناوئة للإدارة السورية الجديدة برئاسة الشرع، ومحاولة تأطيرها فى صورة رسمية لفرض مجموعة من المطالب على الحكومة.
كما يبدو هذا الاصطفاف وكأنه أولى محاولات كشف النقاب عن مطالب الأقليات الكردية والدرزية والعلوية بشأن خيار "الإدارة اللامركزية" فى مواجهة خيار "الإدارة المركزية" الذى تتمسك به حكومة الشرع. وقد اعتبرت حكومة الشرع أن هذا الملتقى يمثل محاولة واضحة من جانب الأقليات لانتهاج مسار يستهدف تقسيم سوريا أو تنفيذ سياسات للتغيير الديموجرافى خاصة فى ظل شواهد على هذا التغيير تم رصدها مؤخراً تجرى فى مناطق الأكراد شمالاً والدروز جنوباً.
كذلك جاء إعلان قوات سوريا الديمقرطية "قسد" رفضها إجراء الانتخابات التشريعية فى مناطق الإدارة الذاتية الكردية – المقرر لها منتصف سبتمبر المقبل والتى تُعد الأولى بعد سقوط نظام الأسد – تعبيراً عن حالة التوتر الشديدة التى باتت تحكم علاقتها بدمشق، وهو ما دفع الأخيرة إلى تحميل الإدارة الذاتية فى شمال وشمال شرق سوريا المسئولية الكاملة عن منع المواطنين فى بعض مناطق محافظات الحسكة والرقة من المشاركة فى حق سياسى أصيل لهم ألا وهو حق الاقتراع.
أما البعض الثالث من تفسير الدوافع وراء تجدد المواجهات بين الطرفين فيشير إلى "العامل الخارجى" وتحديداً إلى تركيا التى لا تزال ترى فى استمرار وجود هيكل عسكرى نظامى لقوات سوريا الديمقراطية "قسد" تهديداً مباشراً لها، ليس انطلاقاً من دوافع الحفاظ على أمنها القومى كما كانت تروج على مدار السنوات الماضية فحسب، ولكن أيضاً بدافع حماية مسار الاتفاقات الأمنية الجديدة التى وقعتها مع حكومة الشرع فى فبراير 2025، والتى تقضى بإقامة قواعد عسكرية تركية فى شمال ووسط سوريا، ومن ثم فإن تواجد "قسد" فى مناطق تماس فى شمال سوريا ربما يجعل هذه القواعد، الجارى إقامتها، فى مرمى استهداف "قسد" حال قيام تركيا بأى عملية عسكرية مستقبلية ضد الأكراد فى الشمال السورى، وهو ما تدركه قوات سوريا الديمقراطية جيداً، وبالتالى تضغط على قوات الحكومة السورية أمنياً فى مناطق التماس بينهما من أجل تحقيق أحد هدفين: إما تعديل اتفاق مارس بينهما بما يعيد تنظيم نمط التعاون الأمنى بين الأكراد والحكومة السورية فى مناطق الإدارة الذاتية الكردية بما يخدم المصلحة الأمنية للأخيرة، وإما وقف تنفيذ الاتفاقات الأمنية التركية السورية المشتركة، أو على أقل تقدير التأثير على مساراتها التنفيذية إلى حين توصل "قسد" مع حكومة الشرع إلى صيغة أمنية جديدة تكون أكثر قبولاً لدى كافة مكونات القوى السياسية والعسكرية الكردية.
وهنا تحديداً تجدر الإشارة إلى الخلافات داخل "قسد" نفسها التى تعكس حالة انقسام واضح فى المواقف الكردية ما بين فصائل كردية تدعم الاندماج داخل المؤسسة العسكرية وهى الفصائل التى يتزعمها مظلوم عبدى مباشرة، وفصائل أخرى ترفض هذا الاندماج وهى الفصائل المرتبطة بالقيادات فى منطقة جبال قنديل. هذا التباين فى المواقف الكردية يُعد محدداً مهماً فى تفسير مسار التصعيد الذى تنتهجه "قسد" مؤخراً تجاه الحكومة السورية ويصب فى هدف السعى إلى تعديل بنود اتفاق مارس الأمنى بين "قسد" والحكومة فى دمشق؛ حيث ترغب "قسد" فى الحصول على ضمانات داخلية من الشرع نفسه وأخرى خارجية من قوى دولية وتحديداً الولايات المتحدة وروسيا – فضلاً عن تفاهمات أمريكية تركية - لأى اتفاق أمنى جديد تبرمه مع الحكومة السورية، أو حتى الاتفاق القائم حال تعديل صياغته أو تعديل بعض بنوده.
مطالبات الدروز بالانفصال
فى الجنوب، لا يختلف الأمر كثيراً عن الشمال؛ حيث لا تزال إشكاليات العلاقة الأمنية بين حكومة الشرع وبين بعض الفصائل الدرزية تشكل مساراً لخلق مزيد من الأزمات بين الطرفين كان آخرها الصدامات الدامية التى شهدتها محافظة السويداء خلال الفترة من 13 إلى 20 يوليو 2025، بين فصائل درزية مسلحة وبين قوات الجيش السورى بعد اشتباكات بين الأولى وعناصر من البدو يقطنون بعض القرى فى السويداء. وتشكل معضلة العلاقة بين الدروز وحكومة الشرع أكبر التحديات الداخلية أمام دمشق بالنظر إلى متغير التدخل العسكرى الإسرائيلى فى محافظات الجنوب السورى بصورة مباشرة وواسعة دعماً للدروز، وهو التوغل الذى اتسع مداه وصولاً إلى ريف دمشق الجنوبى بما يمثل تهديداً واضحاً لكيان الإدارة السورية الجديدة، لاسيما بعد الاستهدفات العسكرية التى طالت مقر الرئاسة والحكومة ووزارة الدفاع فى 16 يوليو 2025.
الجديد فى شأن حالة التوتر بين الطرفين – الدروز والحكومة السورية - هو التحركات التى اتخذها الزعيم الروحى للطائفة الدرزية الشيخ حكمت الهاجرى خلال شهر أغسطس الجارى (2025 ) والتى تمثلت فى عدة خطوات منها:
- الدعوة إلى تشكيل هيكل عسكرى تحت مسمى "الحرس الوطنى" ويخضع لإمرة الهاجرى نفسه؛ حيث تشكلت نواته من فصيل مسلح يُسمى "رجال الكرامة" ويضم عدداً من الفصائل المسلحة الدرزية بهدف "توحيد الجهد العسكرى للدروز" فى مواجهة القوات الحكومية التى يتهمها الهاجرى بفرض حصار على الطوائف الدرزية فى السويداء. ويرى البعض أن "التفاهمات الأمنية" الأخيرة بين دمشق والدروز والتى أسفرت عن خروج قوات الجيش السورى من مناطق المواجهات داخل السويداء مع المسلحين الدروز وتمركزها خارج المحافظة هو ما سهل من مهمة تشكيل هيكل مسلح للدروز، وهو الأمر الذى تعارضه الحكومة السورية، وإن كان خيار انسحاب قواتها آنذاك كان ضرورياً لتهدئة الأوضاع الأمنية فى المحافظة تمهيداً لبدء حوار مع الدروز، إلا أن الهاجرى نفسه يرفض أى نوع من الحوار مع الحكومة السورية، ويضع عراقيل عدة بشأنه، وحقيقة أن الانتهاكات التى مارستها بعض عناصر الجيش السورى فى السويداء كانت قاسية، إلا أن اتخاذها كمبرر "دائم" لإخراج القوات الأمنية النظامية من المحافظة ومنعها من ممارسة دورها فى توفير الاستقرار الأمنى الداخلى يعد تطوراً خطيراً لا يخدم مصلحة الطرفين، لأن هذا الوضع يعقد فعلياً من مهمة الحكومة بشأن الحفاظ على وحدة الدولة السورية.
- المطالبة بما أطلق عليه الهاجرى "حق تقرير المصير" للطائفة الدرزية؛ بل ودعوة الدول الكبرى إلى دعم هذا الحق فى مواجهة حكومة دمشق الجديدة، وهو ما يصب فى خيارات الانفصال أو التقسيم للأراضى السورية بما يخدم دولة الكيان الإسرائيلى؛ لأن انفصال الجنوب السورى فى دويلة درزية تتمتع بعلاقات جيدة مع تل أبيب يعنى مباشرة مشاركة الجنوب السورى فى "حماية أمن" دولة الكيان بما يعيد تشكيل الجغرافيا السياسية فى منطقة المشرق العربى ككل.
هذه التصرفات من قبل الهاجرى تعنى أن الحكومة السورية باتت أمام تحدٍ كبير لفرض سيادة الدولة ليس على محافظة السويداء فقط، وإنما على الجنوب السورى ككل خاصة فى ظل متغير التوغل العسكرى الإسرائيلى فيه بذريعة حماية الأقلية الدرزية، وهو ما يعنى أن لإسرائيل خيارات فى الجنوب السورى بدءاً بخلق حليف محلى سورى وهو الدروز، مروراً بتفاهمات مستقبلية مع قوى دولية بشأن إبقاء الجنوب السورى منطقة منزوعة السلاح، وصولاً إلى هدف التقسيم الفعلى أو على أقل تقدير دعم خيار "الفيدراليات" داخل سوريا على أن ترتبط تلك الفيدراليات أمنياً بإسرائيل. وبالمناسبة هذا الخيار الإسرائيلى ليس قاصراً على الحلفاء الدروز فى الجنوب السورى فقط، وإنما يشمل أيضاً الحليف الكردى فى الشمال؛ حيث تتمتع الإدارة الذاتية الكردية - تحت إشراف قوات سوريا الديمقراطية "قسد"- بعلاقات تعاون متميزة مع دولة الكيان الإسرائيلى.
خيارات صعبة ومحدودة
الإشكاليات والتحديات السابقة ببعديها السياسى والأمنى باتت تشكل قيوداً واضحة على استراتيجيات الحكومة السورية بقيادة الشرع فى مواجهتها، وباتت تدفعها إلى إما الاستمرار فى انتهاج خيارات صعبة أمنياً، وإما القبول بمحدودية الخيارات الخاصة بتبنى مسارات تدعم رؤية الشرع نفسه تجاه محاولاته المضنية للحفاظ على "مركزية الدولة" مقابل خيارات باتت تدفع نحو نوع جديد من الإدارة تقوم على تبنى خيار "لامركزية الإدارة" وهو خيار قد يتطور مستقبلاً لدعم المسار الفيدرالى ومن بعده دعم مسار "التقسيم".
يلقى خيار "لامركزية الإدارة" حالياً وفى ظل التوترات الأمنية الحادة فى الشمال والجنوب السورى قبولاً متزايداً، ليس من قبل أطراف المواجهة مع الحكومة السورية فقط؛ الأكراد فى الشمال والدروز فى الجنوب، ولكن أيضاً من قبل الولايات المتحدة نفسها؛ فمن اللافت خلال الأسابيع الماضية ما تناقلته وسائل الإعلام عن المبعوث الأمريكى إلى سوريا توماس براك فى بعض تصريحاته الصادرة فى 24 أغسطس الجارى (2025) بشأن احتياج سوريا حالياً لنمط جديد من خيارات إدارة الدولة يعتمد على آلية "اللامركزية"، وأن خيارات الحكومة الحالية فى إدارتها للدولة السورية على أسس مركزية شديدة لم تعد صالحة فى ظل توتر العلاقات مع بعض الأقليات من ناحية، كما أنها لم تعد ناجزة كآلية فى مواجهة التحديات الأمنية لاسيما مع قوات سوريا الديمقراطية "قسد" فى الشمال أو مع الطائفة الدرزية فى الجنوب من ناحية ثانية، بل إن براك وصف خيارات الإدارة اللامركزية بكونها الخيارات "الأكثر عقلانية" التى بإمكانها معالجة تأزم العلاقة بين الحكومة فى دمشق وبين الأكراد فى الشمال والدروز فى الجنوب.
رؤية المبعوث الأمريكى بهذا التصور إما أنها تعبر عن رؤية شخصية كرجل دبلوماسى يرى التطورات على أرض الواقع السورى، أو أنها تعبر عن رؤية الإدارة الأمريكية نفسها تجاه الأوضاع الحالية فى سوريا، ويلاحظ هنا أن براك لم يتحدث عن "الفدرالة" بل استبعدها – ولو حالياً - مركزاً قوله على أن سوريا "تحتاج أحد أشكال الحكم اللامركزى" متبعاً تصريحاته بالقول: "إن ما تحتاجه البلاد ليس الفيدرالية، بل شىء أقل من ذلك، يسمح للجميع بالحفاظ على وحدتهم وثقافتهم ولغتهم".
والسؤال الآن .. هل حكومة الشرع لديها الرغبة فى قبول طرح "لامركزية الإدارة" أم لا؟ الإجابة الأولية والسريعة تقول بأن الشرع ليس لديه رغبة فى انتهاج "لامركزية إدارية" على غرار نمط العلاقة الحالية فى الشمال السورى حيث الإدارة الذاتة للأكراد، كما أن انتهاج اللامركزية فى إدارة العلاقة مع الدروز ربما تجلب على الشرع أعباءً سياسية وأمنية تفوق ما عليه الوضع الحالى معهم فى الجنوب، وإن لوحظ من خلال تصرفات الحكومة فى دمشق مع تطورات ما بعد الصدام الأمنى مع الدروز - فى يوليو الماضى – وجود قناعة لدى الشرع بأن ملف الدروز بات إلى حد كبير ملفاً خارجياً ينتظر التفاعل بشأنه مع الولايات المتحدة وإسرائيل وانعكس هذا التصور فى عدم اتخاذ مواقف صارمة حيال ما قامت به الطوائف الدرزية تحديداً بشأن تشكيل الكيان العسكرى المسلح الذى بات يُعرف بـ "الحرس الوطنى"، ولا حيال تطوير اللقاءات والاتصالات الدرزية مع إسرائيل، بينما اكتفى بتصريحات تدين سعى بعض الطوائف إلى "الاستقواء بالخارج" على سبيل المثال، وهو ما يخالف الإعلان الدستورى المؤقت الصادر فى 13 مارس 2025، والذى ينص حرفياً على "إدانة أى فصائل تدعو إلى "التقسيم" أو تطلب الدعم الخارجى لقضيتها".
فى الختام، يمكن القول إن الحكومة السورية والرئيس المؤقت أحمد الشرع باتا يواجهان أكثر التحديات صعوبة فى المرحلة الانتقالية، وأن محاولات استكمال المسار الانتقالى بإجراء أول انتخابات تشريعية فى سبتمبر المقبل لن يعبر عن انتقال حقيقى وجوهرى فى مسار بناء الدولة السورية الجديدة؛ نظراً لعدم امتلاك القدرة – حتى اللحظة – على فرض رؤية محلية لمعالجة المعضلات الأمنية الناتجة عن تفاعلات الحكومة مع كل من قوات سوريا الديمقراطية "قسد" فى الشمال من ناحية، ومع الطوائف الدرزية فى الجنوب من ناحية ثانية، وهى القوى التى أعلنت مقاطعتها للانتخابات التشريعية المقبلة ما يجعلها غير معبرة عن مجموع الشعب السورى ومكوناته المختلفة. ومن ثم فإن خيارات حفاظ الشرع على "مركزية إدارة الدولة" باتت على المحك فى ظل غياب تلك الرؤية، وهنا ربما تبرز أهمية الطرح الداعى إلى البحث عن خيارات بديلة لإدارة الدولة السورية تقوم على "اللامركزية الإدارية" باعتبارها بديلاً تفرضه الظروف الداخلية فى مرحلة الانتقال السياسى الحالية، وإن كان هذا الخيار سيظل محكوماً بمدى قدرة الدولة على ضمان مشاركة "الجميع" بما يبعد شبح التطلعات الانفصالية، وربما يضمن بقاء الدولة السورية "واحدة وموحدة" لكن عبر آلية حكم "قد" تعتمد اللامركزية أساساً لها.