في أحد شوارع لندن الهادئة، حيث تتجاور مقار السفارات الأجنبية وتتشابك اللافتات الدولية، وقعت لحظة فارقة تكاد تختصر حكاية أمة بأكملها، شاب مصري في مقتبل العمر، غريب عن وطنه بالجغرافيا فقط، لكنه قريب من ترابه بالروح والانتماء، يقف مدافعا عن سفارة بلاده، يواجه محاولات اعتداء وتطاول، فيرفض أن يلتزم الصمت أو يشيح بوجهه، وكان يدرك أن تلك الجدران ليست مجرد مبنى دبلوماسي، بل رمز لمصر كلها.
لم تمض دقائق حتى وجد نفسه في مواجهة غير متوقعة: بدلا من أن يكافأ على موقفه الوطني، تم توقيفه من قبل السلطات البريطانية، و كأن الجاني هو الضحية، و أن من دافع عن بلده ارتكب جرما يستحق العقاب في مشهد حمل الكثير من الدلالات، ليس أقلها أن ازدواجية المعايير الغربية ما زالت حاضرة وبقوة.
لكن الحكاية لم تنته عند هذا المشهد الصادم، في القاهرة، تحركت مؤسسات الدولة بسرعة ودقة، كأنها تقول للعالم: "كرامة المصري لا تمس" ولم تستغرق الأزمة وقتا طويلا، حتى جاء التدخل الحاسم الذي انتهى بالإفراج عن الشاب، هنا فقط اتضح أن مصر لم تعد تلك الدولة التي يمكن تجاهل مواطنيها في الخارج، بل أصبحت قوة تفرض احترامها، قادرة على حماية أبنائها أينما كانوا.
هذا الموقف لم يكن مجرد خطوة دبلوماسية عابرة، بل كان انعكاسا لتحول كبير في طبيعة العلاقة بين الدولة والمواطن، و اليوم، يشعر المصري بالخارج أن خلفه وطنا يقظا، قويا، حاضرا في كل تفاصيله، لا يتركه لمصيره ولا يترك كرامته عرضة للانتهاك.
الواقعة أظهرت بطولة جيل جديد من الشباب، الذين لم يفقدوا إحساسهم بالمسؤولية الوطنية رغم الغربة، ذلك الشاب لم يتحرك بدافع شخصي أو حسابات ضيقة، بل انطلق من يقين راسخ أن مصر تستحق الدفاع عنها في كل مكان، وأن أي اعتداء على رموزها هو اعتداء عليه شخصيا.
هؤلاء الشباب هم الامتداد الطبيعي لجيل صنع انتصارات أكتوبر، لكنهم يخوضون معركتهم اليوم بوسائل مختلفة: الكلمة، الموقف، الدفاع عن صورة الوطن، وحماية رموزه في الخارج، إنها بطولة من نوع آخر، لكنها لا تقل أهمية عن أي معركة عسكرية.
ما فعلته السلطات البريطانية من توقيف المدافع وترك المعتدي، فضح مجددا ازدواجية المعايير التي طالما اشتكى منها العالم العربي، فبينما ترفع هذه الدول شعارات الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان، نجدها تتخلى عنها حين تتعلق المسألة بمصر أو بالعالم الإسلامي، غير أن القاهرة لم تترك الفرصة لتثبيت هذا الظلم، بل ردت بسرعة وحزم، لتضع حدا لأي محاولة للنيل من حقوق مواطنيها.
هذه الواقعة تكشف بوضوح أن صورة مصر في العالم تغيرت، ولم تعد دولة يمكن تجاوزها أو التغافل عنها، بل باتت دولة قوية، حاضرة في المشهد الدولي، تدافع عن أبنائها كما تدافع عن أرضها وحدودها، والمصريون في الخارج، الذين كانوا يوما ما يشعرون بالعزلة والخذلان، صاروا اليوم أكثر ثقة بأن وطنهم لا يغيب عنهم أبدا.
لقد أصبح المصري وهو يسافر إلى أي مكان في العالم يحمل معه شعورا بالأمان، لأنه يعلم أن هناك دولة تتابع، وتتحرك، وتدافع، ولا تسمح بتركه وحيدا، وهذا في حد ذاته إنجاز سياسي ومعنوي يعكس حجم التحول في قوة الدولة المصرية خلال السنوات الأخيرة.
إن دور الشباب في هذه القصة لا يمكن تجاهله، فالمصري بالخارج ليس مجرد مقيم أو عامل، بل هو سفير لبلده، يحمل صورته وقيمه، ويقف على جبهة الدفاع الأولى عن سمعته وما قام به الشاب في لندن يؤكد أن الجيل الجديد يدرك حجم المسؤولية، ويستطيع أن يكون شريكا في حماية صورة مصر عالميا وتظل قصة توقيف الشاب المصري ثم الإفراج عنه بفضل التدخل الحاسم من القاهرة، ليست مجرد تفاصيل عابرة في نشرات الأخبار، بل هي شهادة جديدة على أن مصر لا تنسى أبناءها، وأن كرامتهم جزء لا يتجزأ من كرامتها، إنها قصة بطل وقف مدافعا عن وطنه، وقصة دولة بأكملها وقفت خلفه، لتؤكد للعالم أن المصري أينما كان، ليس وحده أبدا.
اليوم، يكتب المصريون فصلا جديدا في علاقتهم بدولتهم: علاقة تقوم على الثقة، والانتماء، والحماية المتبادلة، فالمواطن يفتخر بوطنه، والدولة تحميه بكل ما تملك من قوة، وبين الاثنين، تتجدد معاني الوطنية والكرامة، لتقول للعالم إن مصر — بشبابها ودولتها — أصبحت أقوى، وأكثر قدرة على حماية أبنائها، في الداخل والخارج على السواء.